تحول المياه المعالجة إلى أصل اقتصادي
تتجه السعودية إلى توسيع الاعتماد على المياه المعالجة باعتبارها مورداً استراتيجياً يدعم نمو الاقتصاد ويخفف الضغط على الموارد التقليدية. ويأتي هذا التوجه في وقت ترتفع فيه احتياجات القطاعات الصناعية والحضرية والزراعية للمياه، مع دخول مشروعات تنموية وخضراء جديدة إلى حيّز التنفيذ.
وتظهر المؤشرات أن المياه المعالجة لم تعد مجرد خيار تشغيلي، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية اللازمة لاستمرار التوسع الاقتصادي والعمراني. ومع ازدياد الطلب من المصانع والحدائق والمسطحات الخضراء ومشروعات التشجير، تتسع أهمية هذه المنظومة في إدارة الموارد بكفاءة أعلى.
وتستهدف المملكة، عبر هذا المسار، تحقيق توازن بين النمو المتسارع وضرورة ترشيد الاستهلاك، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على المياه بشكل كثيف. ويعكس ذلك تحولا واضحا في التفكير التنموي نحو حلول أكثر استدامة وأقل هدراً.
نمو سريع في الاستخدام الصناعي والحضري
تشير البيانات الحديثة إلى أن استهلاك المياه المعالجة في القطاع الصناعي ارتفع بنحو 50 في المائة خلال عامين، من نحو 20 مليون متر مكعب إلى 30 مليون متر مكعب بنهاية 2025. كما يُتوقع أن يتجاوز هذا الرقم 100 مليون متر مكعب سنوياً بحلول 2030.
أما في القطاع الحضري، فقد سجل الاستخدام نمواً أسرع من قاعدة منخفضة، إذ ارتفع من نحو 65 ألف متر مكعب إلى قرابة 13 مليون متر مكعب. وتُظهر التوقعات أن هذا الاستهلاك قد يصل إلى 150 مليون متر مكعب سنوياً بحلول 2030، مدفوعاً بالتوسع في الحدائق والمسطحات الخضراء ومشروعات المدن.
هذا النمو يعكس انتقال المياه المعالجة من نطاق محدود الاستخدام إلى سوق أوسع ترتبط فيه الخدمة المائية مباشرة بنشاط الاقتصاد الحضري والصناعي. ويُنظر إلى هذا التحول بوصفه مؤشراً على توسع الطلب على حلول مائية غير تقليدية داخل المملكة.
مشروعات السعودية الخضراء تعزز الطلب
تُعد مشروعات السعودية الخضراء أحد أبرز المحركات لزيادة الاستهلاك، إلى جانب التوسع في المحميات الطبيعية والمشروعات التنموية في مختلف المناطق. فهذه المشاريع تتطلب مساحات ري واسعة ونماذج تشغيل أكثر كفاءة، ما يجعل المياه المعالجة خياراً عملياً ومتاحاً للتوسع.
ويرتبط هذا المسار أيضاً باتساع نطاق الاستخدامات الحضرية للمياه، سواء في التجميل البيئي أو دعم البنية الخضراء داخل المدن. ومع تزايد الالتزام بمعايير الاستدامة، تصبح المياه المعالجة عنصراً مهماً في تمويل التحول البيئي دون استنزاف المصادر التقليدية.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الاستثمار في البنية المائية لم يعد منفصلاً عن خطط التنمية العمرانية والبيئية، بل بات جزءاً من معادلة التخطيط الاقتصادي التي تربط بين توفير الموارد وتحسين جودة الحياة.
كود جديد للري يرفع الكفاءة ويخفض الهدر
في موازاة توسع استخدام المياه المعالجة، تستعد المؤسسة العامة للري لإطلاق كود وطني جديد لممارسات الري، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. ويهدف الكود إلى رفع كفاءة الري في المملكة من نحو 55 في المائة إلى أكثر من 70 في المائة.
وتشير التقديرات إلى أن التطبيق الكامل لهذا الكود قد يسهم في توفير نحو ملياري متر مكعب من المياه سنوياً، وهو رقم يعكس الأثر الاقتصادي والبيئي الكبير المتوقع من تحديث أساليب الري. وقد أظهرت التجارب الحقلية المرتبطة بالمشروع تحسناً في دخل المزارعين، إلى جانب ارتفاع إنتاجية المزارع وتحسن استخدام المياه.
كما يستهدف الكود خفض استهلاك المياه في زراعة الحبوب من 9750 متراً مكعباً للهكتار إلى نحو 6500 متر مكعب للهكتار. ويعد ذلك تحولاً مهماً في قطاع زراعي يستهلك كميات كبيرة من المياه، ويحتاج إلى أدوات تنظيمية وتقنية للانتقال نحو نماذج أكثر كفاءة.
أثر مباشر على الزراعة والأمن المائي
لا يقتصر أثر الكود الجديد على ترشيد الاستهلاك، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنتاج الزراعي والمياه. فرفع الكفاءة يعني تقليل الفاقد، وتحسين العائد من كل وحدة مياه، وتخفيف الضغط على الموارد التي تتنافس عليها قطاعات متعددة.
وفي بلد يشهد نمواً سكانياً وعمرانياً وصناعياً متسارعاً، يصبح تحسين كفاءة الري أداة اقتصادية بامتياز، لأنه يخفف التكاليف التشغيلية ويرفع الإنتاجية ويقلل الحاجة إلى موارد إضافية. كما يفتح المجال أمام المزارعين لاستخدام التقنيات والممارسات الحديثة التي تعزز الجدوى المالية للمزارع.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه أهمية الأمن المائي كأحد عناصر الاستقرار الاقتصادي. فكل تحسن في الكفاءة ينعكس على قدرة المنظومة على تلبية الطلب المستقبلي دون توسع مفرط في الاستهلاك.
البنية المائية كجزء من الاقتصاد الوطني
تُظهر التحولات الجارية أن إدارة المياه في السعودية باتت مرتبطة بشكل مباشر بالنمو الاقتصادي والتنمية القطاعية. فالمؤسسة العامة للري تدير السدود، وتشرف على منظومة نقل المياه المعالجة وتوزيعها وإعادة استخدامها في القطاعات الحضرية والصناعية والزراعية، ما يضعها في قلب المنظومة الاقتصادية الخدمية.
ومع تزايد الاستثمار في المدن والمشروعات الكبرى، يتوسع الطلب على خدمات المياه المعالجة باعتبارها جزءاً من البنية الأساسية لهذه المشاريع. وهذا يعني أن المياه لم تعد مدخلاً تشغيلياً فقط، بل أصبحت عنصراً داعماً لخطط الاستثمار والتوسع العمراني.
ومن المتوقع أن يساهم تفعيل الكود الجديد، إلى جانب التوسع في إعادة الاستخدام، في ترسيخ نموذج أكثر كفاءة لإدارة الموارد. كما قد يمنح هذا النموذج المملكة قدرة أكبر على التوفيق بين أهداف التنمية السريعة ومتطلبات الاستدامة طويلة الأجل.