02-Jul-2026 5 دقائق قراءة

هيئة النزاهة العراقية تحجز أموالاً مجمدة بالخارج وتستعد لتحريك دعاوى استردادها

أعلنت هيئة النزاهة العراقية حجز مبالغ كبيرة مجمدة في حسابات خارجية، في خطوة تمنع التصرف بها وتفتح الطريق أمام استردادها إلى خزينة الدولة بالتنسيق مع وزارة العدل، وسط مساعٍ لسن تشريع جديد يسرّع إجراءات الاسترداد.

تحرك رسمي لاستعادة الأموال المجمدة

أعلنت هيئة النزاهة العراقية أنها تمكنت من حجز مبالغ كبيرة كانت مجمدة في حسابات خارجية، في خطوة تهدف إلى منع المتورطين في قضايا فساد من التصرف بها أو تحويلها إلى جهات أخرى. وتعد هذه الخطوة جزءاً من مسار أوسع لاستعادة أموال عامة خرجت من الدورة المالية الرسمية خلال السنوات الماضية.

وبحسب المسؤولين في الهيئة، فإن الأموال المحجوزة ترتبط بملفات فساد كبيرة، وأن التعامل معها لا يقتصر على التجميد، بل يمتد إلى بناء مسار قانوني يفضي إلى إعادتها إلى خزينة الدولة بشكل رسمي. ويأتي ذلك في إطار تنسيق مباشر مع وزارة العدل، بما يتيح تحويل إجراءات الحجز إلى دعاوى مدنية منظمة أمام الجهات المختصة.

الدفع نحو مسار قانوني أكثر سرعة

أوضح المدير العام لدائرة الاسترداد في هيئة النزاهة، ونائب رئيس مجلس إدارة صندوق استرداد أموال العراق عباس متعب، أن الهيئة تعمل على تثبيت هذه الأموال قانونياً عبر دعاوى مدنية، حتى لا تبقى مجرد أرصدة معطلة في الخارج. ووفق هذا الطرح، فإن الهدف النهائي هو إعادة المال العام إلى الموازنة العراقية بعد استكمال متطلبات التقاضي والإثبات.

وأضاف متعب أن هناك مسودة قانون خاصة بملف الاسترداد ستعرض قريباً على مجلس النواب، معتبراً أن غياب إطار تشريعي متكامل كان يبطئ عمليات استرجاع الأموال المنهوبة. ويرى مسؤولو الملف أن إقرار القانون المقترح قد يخلق آلية أوضح وأكثر فاعلية في ملاحقة الأموال غير المشروعة وتقصير الزمن اللازم للوصول إليها.

ويشير هذا التوجه إلى أن قضية استرداد الأموال لا تتعلق فقط بتتبع الأرصدة، بل أيضاً بإغلاق الثغرات القانونية التي تسمح بتجميد الملفات أو إطالة أمدها عبر النزاعات القضائية والتعقيدات الإجرائية في الخارج.

الأثر الاقتصادي لاستعادة الأموال العامة

من جانبه، قال المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح إن أهمية استرداد الأموال لا تقتصر على قيمتها النقدية المباشرة، بل تمتد إلى كونها رسالة سياسية واقتصادية تعكس جدية الدولة في مكافحة الفساد وحماية المال العام. ووفق هذا المنظور، فإن إعادة الأموال إلى النظام المالي الرسمي تحمل آثاراً تتجاوز مجرد سد فجوة مالية.

وأوضح صالح أن هذه الأموال إذا عادت إلى الدورة الاقتصادية العراقية، فإنها قد تسهم في تنشيط النشاط الاقتصادي ودعم الإنفاق الاستثماري الحكومي، خصوصاً عندما تُوجَّه إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وتحفيز النمو المستدام. كما أن استعادة هذه الموارد يمكن أن تخفف الضغط على الموازنة العامة وتقلل الحاجة إلى الاقتراض.

ويعزز هذا التوجه أيضاً ثقة المواطنين والمستثمرين بالمؤسسات العامة، لأن نجاح الدولة في استرجاع أموالها يرسل إشارة بأن الإطار القانوني والرقابي أكثر قدرة على حماية الموارد ومنع تسربها.

من الحجز إلى إعادة الإدماج في الاقتصاد

تكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تنقل الأموال من حالة الجمود في الحسابات الخارجية إلى مسار محتمل لإعادة الإدماج في الاقتصاد الوطني. فعندما تُسترد الأموال العامة، تصبح جزءاً من أدوات التمويل المتاحة للدولة، ويمكن استخدامها في تغطية جزء من النفقات أو تمويل مشاريع تنموية ذات مردود مباشر.

وفي بيئة اقتصادية تتسم بحساسية عالية تجاه العجز والتمويل والاقتراض، فإن أي استرداد فعلي للأموال المنهوبة يعد مكسباً مالياً وإدارياً في آن واحد. كما أن تحسين قدرة الدولة على الوصول إلى أصولها الخارجية قد يعزز مصداقيتها في الداخل والخارج على حد سواء.

وتبرز هنا أهمية التنسيق بين الجهات الرقابية والقانونية والمالية، لأن استرداد الأموال عبر الحدود يحتاج إلى مزيج من المتابعة القضائية، والتعاون المؤسسي، وتوفر التشريعات الملائمة، إضافة إلى القدرة على تتبع التحويلات والهياكل المالية المرتبطة بها.

التشريع كعنصر حاسم في الاسترداد

تكشف المسودة المنتظرة للقانون الخاص بالاسترداد عن إدراك رسمي بأن مكافحة الفساد المالي لا تكتمل بالإجراءات الإدارية وحدها. فالقوانين الواضحة تسهل تتبع الأموال، وتحدد آليات المطالبة بها، وتمنح المؤسسات المختصة أدوات أفضل للتعامل مع القضايا العابرة للحدود.

كما أن وجود إطار تشريعي أكثر نضجاً قد يحد من التباين في تفسير الإجراءات ويمنع تأخير الدعاوى المرتبطة بالأموال العامة. ولهذا ينظر إلى التشريع المقترح باعتباره جزءاً من بنية أوسع لإصلاح الحوكمة المالية وتعزيز القدرة على حماية الموارد العامة من التسرب أو الإخفاء.

وفي المحصلة، تمثل عملية حجز الأموال المجمدة بالخارج خطوة عملية في ملف معقد يربط بين مكافحة الفساد والحوكمة المالية والنمو الاقتصادي. وإذا نجحت السلطات العراقية في تحويل الحجز إلى استرداد فعلي، فإن ذلك قد يمنح الخزينة العامة مورداً إضافياً ويعزز الثقة في قدرة الدولة على استعادة حقوقها المالية.