يعمل العراق على رفع قدرته التصديرية من الحقول الشمالية في خطوة تعكس سعيه إلى تقليل أثر الاضطرابات الإقليمية على مبيعاته النفطية، في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة العالمي ضغوطاً متزايدة بسبب تعطل الممرات البحرية وتذبذب سلاسل الإمداد.
وبحسب مسؤولين في وزارة النفط العراقية، فإن بغداد تستهدف زيادة صادرات الخام عبر خط الأنابيب الواصل من شمال البلاد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط إلى أكثر من ثلاثة أمثالها خلال نحو شهرين ونصف الشهر. وتأتي هذه الخطة ضمن تحرك أوسع لإعادة ترتيب مسارات التصدير وتخفيف الاعتماد على المنافذ التقليدية.
وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت في بيان منفصل أنها تسعى إلى رفع إجمالي الصادرات إلى 770 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يعكس رغبة واضحة في استعادة جزء من الطاقة التصديرية المتاحة، سواء من الحقول الشمالية داخل العراق أو من الحقول الواقعة في إقليم كردستان.
تعطّل الإمدادات يدفع إلى البحث عن بدائل
جاء هذا التوجه في ظل اضطراب حركة ناقلات النفط في الخليج نتيجة الحرب بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من إغلاقات وتوترات أثرت في المسار الرئيسي الذي تعتمد عليه الصادرات العراقية. هذا التطور دفع بغداد إلى البحث عن قنوات أكثر تنوعاً ومرونة لضمان استمرار تدفق الخام إلى الأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الخارجية العراقية إن البلاد تعمل على إعادة تأهيل مجموعة من خطوط الأنابيب الشمالية، من بينها مسار ظل خارج الخدمة لفترة طويلة، بما يتيح التصدير إلى ميناء جيهان من دون المرور عبر إقليم كردستان شبه المستقل. وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تمنح الحكومة الاتحادية مساحة أكبر للتحكم في تدفقات النفط وتقليل التعقيدات التشغيلية والسياسية المرتبطة بمسارات النقل الحالية.
ويشمل هدف 770 ألف برميل يومياً خامات من حقول شمال العراق، إلى جانب خامات تأتي من الحقول الموجودة في الإقليم الكردي، ما يعني أن الخطة لا تقتصر على زيادة الكميات فقط، بل تشمل أيضاً إعادة توزيع مصادر الإنتاج ضمن منظومة تصدير أكثر اتساعاً.
تحرك باتجاه مسارات تصدير إضافية
إلى جانب المسار التركي، تدرس بغداد خيارات أخرى لتوسيع قنوات التصدير. ووفق البيان الحكومي، فإن العراق يبحث عن مسارات بديلة، من بينها اتفاق محتمل مع سوريا لتصدير خامات البصرة الخفيف والبصرة المتوسط والبصرة الثقيل عبر ميناءي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط.
وتعكس هذه الدراسة إدراكاً متزايداً لدى صناع القرار العراقيين بأن تنويع المنافذ بات ضرورة تجارية واستراتيجية، لا مجرد خيار تقني. فكلما تعددت طرق التصدير، أصبحت البلاد أقل عرضة للصدمات الناجمة عن الإغلاقات المؤقتة أو التوترات الجيوسياسية أو الأعطال الفنية في خطوط النقل الرئيسية.
كما أعلنت وزارة النفط نيتها فتح مكتب تمثيلي لإدارة عمليات التصدير عبر هذا المسار، وهو ما يشير إلى أن الحديث لا يقتصر على ترتيبات نظرية، بل يمتد إلى إعداد هيكلي وإداري يسمح بمتابعة العمليات عند تفعيل أي اتفاق مستقبلي.
التحول في بنية التصدير العراقية
لطالما اعتمد العراق بشكل كبير على منافذ التصدير البحرية والبرية المرتبطة بالبنية التحتية الإقليمية، وهو ما جعله أكثر عرضة للتأثر بالاضطرابات السياسية والأمنية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو إعادة تأهيل الخطوط الشمالية وإحياء مسارات جديدة جزءاً من محاولة أوسع لبناء منظومة أقل هشاشة وأكثر تنوعاً.
الخطط الحالية تحمل بعداً اقتصادياً مباشراً، لأن أي زيادة في القدرة التصديرية تعني فرصة أفضل لتعزيز الإيرادات الحكومية، خصوصاً في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل الموازنة العامة والإنفاق المحلي. كما أن تحسين مسارات النقل يساهم في تقليل الخسائر الناجمة عن توقف الإمدادات أو تكدس الخام في مناطق الإنتاج.
وتُظهر هذه التحركات أيضاً أن العراق يتعامل مع ملف النفط باعتباره ملف بنية تحتية وسيادة اقتصادية في آن واحد، إذ ترتبط قدرة الدولة على تصدير مواردها الحيوية بمدى سيطرتها على خطوط النقل وموانئ الشحن والاتفاقات العابرة للحدود.
تأثيرات أوسع في سوق الطاقة
في موازاة التحركات العراقية، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين ارتفعت مخزونات البنزين ونواتج التقطير. وتراقب الأسواق هذه المؤشرات عن كثب لأنها تعكس اتجاهات الطلب والتكرير والمخزون في أكبر اقتصاد مستهلك للنفط في العالم.
وبلغ الانخفاض في مخزونات الخام الأميركية 8 ملايين برميل، وهو تراجع أكبر من توقعات المحللين، بينما ارتفعت مخزونات البنزين ونواتج التقطير على نحو مخالف للتقديرات. كما انخفضت عمليات تكرير النفط الخام، رغم ارتفاع معدلات تشغيل المصافي بصورة طفيفة.
هذه البيانات تضاف إلى الصورة الأوسع التي تشهد فيها أسواق الطاقة حالة من الحساسية تجاه أي خلل في الإمدادات أو الشحن أو التكرير. وفي هذا السياق، فإن أي تحرك عراقي لزيادة القدرة التصديرية عبر تركيا أو عبر منافذ بديلة قد يحظى بمتابعة من المتعاملين في السوق، لا سيما إذا تزامن مع تقلبات في الإمدادات العالمية.
الطاقة أولوية سيادية
تعكس التطورات الأخيرة أن ملف الطاقة بات يرتبط بصورة متزايدة بالأمن الاقتصادي والسيادي للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. فالعراق، الذي يمتلك احتياطيات كبيرة، يحتاج إلى شبكة تصدير أكثر مرونة لضمان استقرار الإيرادات. وفي المقابل، تبحث الدول المستوردة عن مصادر موثوقة لا تتأثر سريعاً بالأزمات الإقليمية.
ومن هنا، لا تبدو خطة بغداد لرفع الصادرات عبر جيهان مجرد تعديل تشغيلي، بل جزءاً من إعادة صياغة أوسع لسياسة تصدير النفط، تستند إلى تنويع المسارات، وتوسيع القنوات، وإعادة تشغيل البنى التحتية المعطلة، بما يرفع القدرة التفاوضية للعراق في سوق الطاقة العالمية.
ومع استمرار التوترات في المنطقة، سيبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرهوناً بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل التفاهمات السياسية إلى بنية تشغيلية فعلية، وتثبيت مسارات أكثر استقراراً لصادرات الخام في المدى المتوسط.