الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 5 دقائق قراءة

موسكو: تبديل الغاز الروسي ببدائل أوروبية سيرفع كلفة الطاقة على أرمينيا

حذرت موسكو من أن أي تحول أرميني بعيداً عن الطاقة الروسية نحو بدائل أوروبية قد يرفع التكلفة على الاقتصاد المحلي، مع تزايد التوتر بين خيار يريفان الأوروبي واستمرار ارتباطها بمنظومة الطاقة والتجارة مع روسيا.

حذرت موسكو من أن أي توجه أرميني إلى تقليص الاعتماد على الغاز الروسي واستبداله ببدائل أوروبية قد يرفع كلفة الطاقة على البلاد بشكل واضح، ويضغط في الوقت نفسه على الاقتصاد الأرميني الذي استفاد لسنوات من شروط تفضيلية في مجال الإمدادات.

وجاءت الرسائل الروسية الأخيرة في وقت تتزايد فيه الحساسية السياسية بين الطرفين، بعد خطوات اتخذتها يريفان باتجاه الاتحاد الأوروبي. وتربط موسكو بين هذا المسار وبين مستقبل التعاون في ملفات الطاقة والموارد الأولية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي والمنتجات النفطية والألماس الخام.

الغاز سيبقى روسي المنشأ حتى لو تغيّر المسار

أوضح نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرتشوك أن أرمينيا قد لا تتمكن عملياً من الحصول على غاز من مصادر بديلة أقل كلفة، لأن البنية الحالية والتشابك الجغرافي يجعلها معتمدة على الغاز الروسي المنشأ في جميع الحالات. لكن الفرق، بحسب هذا الطرح، سيكون في طريقة الوصول إلى الإمدادات: إما مباشرة من روسيا أو عبر وسطاء ومسارات أطول وأكثر تعقيداً.

ووفق هذا المنطق، فإن أي انتقال إلى شراء الغاز عبر قنوات غير مباشرة سيضيف إلى الفاتورة النهائية رسوماً إضافية، سواء من ناحية تكاليف التصدير أو أسعار السوق أو هوامش الأرباح التي سيحصل عليها الوسطاء. وهذا يعني أن السعر النهائي للطاقة قد يرتفع حتى لو بقي المصدر الفعلي واحداً.

كما شدد أوفرتشوك على أن موسكو لا تسعى إلى إلحاق الضرر بأرمينيا، لكنها ترى أن الواقع الجغرافي والبنية التحتية المتاحة يفرضان حدوداً واضحة على الخيارات المطروحة أمام يريفان في ملف الطاقة.

رسالة رسمية تربط الطاقة بالمسار الأوروبي

التصعيد لم يقتصر على التصريحات. فروسيا أبلغت أرمينيا، عبر رسالة رسمية نُقلت من خلال سفارتها في يريفان، بأنها قد تعلق أو تلغي اتفاقية التعاون المرتبطة بتوريد الغاز الطبيعي والمنتجات النفطية والألماس الخام، إذا واصلت الجمهورية خطواتها نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

هذه الإشارة تحمل بعداً اقتصادياً مباشراً، لأنها تمس اتفاقاً وفّر لأرمينيا مزايا واضحة في مجال الاستيراد والتكاليف. وتأتي الرسالة الروسية في سياق محاولة الضغط على يريفان قبل أن تتعمق خياراتها السياسية والاقتصادية باتجاه أوروبا.

ويعكس هذا الموقف رؤية روسية أوسع مفادها أن ملفات الطاقة ليست منفصلة عن الترتيبات الجيوسياسية. فبالنسبة لموسكو، أي تغيير في التحالفات الاقتصادية لأرمينيا يجب أن يرافقه استعداد لتحمل الكلفة المالية المحتملة.

مكاسب سعرية دعمت النمو الأرميني

وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف ذهب أبعد من ذلك عندما ربط بين معدلات النمو في أرمينيا وبين حصولها على موارد الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية. وقال إن الاقتصاد الأرميني حقق أداءً لافتاً في جزء منه بسبب هذه المزايا، وإن استبدالها ببدائل أوروبية سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد المحلي على التكيف.

وأضاف أن من حق يريفان اختيار مسارها السياسي والاقتصادي، لكن هذا الخيار سيأتي مع نتائج واضحة على الأداء الاقتصادي ومعدلات النمو إذا اختارت مصادر طاقة أعلى كلفة. وبذلك، تحول النقاش من خلاف دبلوماسي إلى مسألة حسابات اقتصادية مباشرة تتعلق بأسعار الوقود والطاقة وتكلفة الإنتاج.

وتحظى هذه النقطة بأهمية خاصة لأن الطاقة الرخيصة عادة ما تدعم الصناعة والنقل والأسعار الاستهلاكية، بينما يؤدي ارتفاع كلفتها إلى ضغط واسع على الميزانيات والشركات والأسر. ولهذا، ترى موسكو أن أي تغيير في منظومة الإمداد الأرمينية لن يكون مجرد تعديل تقني، بل تحولاً اقتصادياً مؤثراً.

اتفاق 2013 وفترة الإعفاءات

بحسب المعلومات المتداولة، فإن اتفاقية وُقعت عام 2013 ألغت روسيا بموجبها، إلى أجل غير مسمى، رسوم التصدير على الغاز والمنتجات النفطية والألماس الموردة إلى أرمينيا. وقد منح هذا الترتيب البلاد ميزة تنافسية في التكاليف وساهم في تخفيف الضغط على بعض القطاعات الاقتصادية.

ويرى مسؤولون روس أن هذا النوع من الامتيازات كان أحد العوامل التي دعمت النشاط الاقتصادي الأرميني خلال السنوات الماضية. ولذلك، فإن أي تراجع في هذه التسهيلات قد ينعكس مباشرة على الأسعار الداخلية وعلى كلفة تشغيل الشركات وعلى قدرة الحكومة على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة.

كما سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أشار إلى أن أرمينيا قد تخسر ما يقارب 14% من ناتجها المحلي الإجمالي إذا فقدت الامتيازات المرتبطة بأسعار الطاقة داخل إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ويعطي هذا التقدير فكرة عن حجم التأثير المحتمل في حال تبدلت معادلة الإمداد الحالية.

أرمينيا تحاول الموازنة بين مسارين صعبين

في المقابل، تؤكد القيادة الأرمينية أنها ستواصل المشاركة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي على أساس الاحترام المتبادل والشراكة المتكافئة، رغم اعترافها بأن الجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي يبدو صعباً على المدى الطويل.

وكانت أرمينيا قد أقرت في ربيع 2025 قانوناً يعبر عن نيتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما زاد من حدة التوتر مع موسكو وفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول مستقبل علاقاتها الاقتصادية مع روسيا.

وبين هذين المسارين، تبدو يريفان أمام معادلة معقدة: الحفاظ على مزايا الطاقة والتجارة مع روسيا من جهة، والسير في اتجاه سياسي جديد نحو أوروبا من جهة أخرى. وفي اقتصاد يعتمد إلى حد كبير على تكاليف الإمداد والاستقرار التجاري، قد يكون لأي تغيير في هذه المعادلة أثر يتجاوز الطاقة ليصل إلى النمو والاستثمار والأسعار العامة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف الطاقة أصبح واحداً من أهم أدوات الضغط والنفوذ في العلاقة الروسية الأرمينية، وأن أي قرار سياسي جديد في يريفان سيُقرأ أولاً من زاوية أثره الاقتصادي قبل أي شيء آخر.