تتصاعد في أوروبا معركة جديدة حول أسعار الأدوية، بعدما بدأت شركات دوائية عالمية استخدام ورقة الاستثمار والتوسع للضغط على الحكومات التي تسعى إلى تشديد قواعد التسعير والإنفاق الصحي. وتكشف التطورات الأخيرة أن القطاع يحاول تكرار أسلوب تفاوضي أثبت فاعليته في بريطانيا، حيث ساعدت التهديدات بتأجيل أو تقليص الخطط الاستثمارية على تغيير مواقف حكومية حساسة.
المشهد الأبرز حالياً يدور في ألمانيا، التي تناقش تشريعات تهدف إلى كبح الارتفاع السريع في تكاليف الأدوية داخل نظام التأمين الصحي الإلزامي. وتواجه الحكومة هناك ضغوطاً متزايدة من شركات ترى أن القواعد المقترحة قد تؤثر في العائد على الاستثمار، وفي قرار إطلاق أدوية جديدة في السوق الألمانية.
استراتيجية الضغط تنتقل من بريطانيا إلى ألمانيا
خلال الأسابيع الماضية، بعثت شركة فايزر رسالة إلى المستشار الألماني حذرت فيها من أن استثماراتها في ألمانيا قد تتعرض للخطر إذا مضت الحكومة في سياسة تسعير الدواء الجديدة. كما ألمحت أسترازينيكا إلى أنها قد لا تطلق أدوية جديدة في السوق الألمانية إذا تم اعتماد التعديلات المقترحة.
وفي خطوة أكثر وضوحاً، أعلنت إيلي ليلي في يونيو أنها ستخفض إلى النصف استثماراً كان مخططاً له بقيمة 2.3 مليار يورو، بينما قالت شركة بويرنجر إنجلهيم، وهي شركة ألمانية، إنها ألغت خطط توسع بقيمة 900 مليون يورو. وجميع هذه القرارات رُبطت مباشرة بالمقترحات التشريعية الجديدة.
هذا النمط من التحرك ليس معزولاً عن التجربة البريطانية. ففي بريطانيا، تمكنت شركات الأدوية من انتزاع زيادة في الإنفاق على الأدوية ضمن اتفاق أوسع مع الحكومة، جرى التوصل إليه في سياق تفاهمات مرتبطة بالتجارة والرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة. بالنسبة إلى الصناعة، شكل ذلك مثالاً على قدرة الضغط الاستثماري على تعديل السياسات العامة.
القلق من تراجع جاذبية السوق الأوروبية
ما يجمع بين الحالات الأوروبية المختلفة هو ازدياد الحساسية تجاه بيئة الاستثمار في قطاع الدواء. فالشركات لا تنظر فقط إلى الأسعار الرسمية، بل تقيّم أيضاً سرعة الموافقات التنظيمية، ومستوى العائد المتوقع، ومدى سهولة إدخال العلاجات الجديدة إلى السوق. وعندما تشعر بأن البيئة أقل استقراراً، فإنها تستخدم خطط الاستثمار كورقة تفاوض مباشرة.
مصادر في الصناعة ترى أن التحدي لا يقتصر على ألمانيا. فهناك انطباع متنامٍ بأن الأسواق الأوروبية أصبحت أقل جاذبية مقارنة بالولايات المتحدة، خصوصاً مع استمرار الجدل حول سياسات التسعير الأمريكية، وارتفاع أهمية السوق الأمريكية بالنسبة إلى أرباح شركات الدواء، إلى جانب صعود الصين كمنافس ووجهة استراتيجية في الوقت نفسه.
هذا التحول يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة صعبة: كيف يمكن خفض عبء الإنفاق الصحي على الأنظمة العامة من دون دفع الشركات إلى تقليص استثماراتها أو تأخير طرح علاجات جديدة؟ وبينما تقول الحكومات إنها تسعى إلى حماية المال العام، تؤكد الشركات أنها بحاجة إلى بيئة تشجع الابتكار وتضمن جدوى الاستثمار.
ألمانيا تعيد النظر جزئياً في الخطة
في مواجهة هذه الضغوط، بدأت برلين بإظهار مرونة محدودة. ووفقاً لمصادر حكومية، فإن ألمانيا تدرس التخلي عن بعض عناصر الخطة المثيرة للجدل، ومن بينها آلية خصم متغيرة كانت ستطبق على الأدوية، لصالح خصم ثابت يحد من حالة عدم اليقين التي تثير قلق المستثمرين.
لكن هذا التعديل الجزئي لا يعني انتهاء الخلاف. فالمخاوف الأساسية لدى الشركات تتجاوز تفاصيل آلية الخصم، وتمتد إلى طبيعة البيئة السعرية الأوسع في ألمانيا، وإلى ما إذا كان القانون سيؤثر في القرارات المستقبلية الخاصة بإطلاق الأدوية أو توسيع الإنتاج.
كما أن مسار التشريع لم يُحسم بعد، إذ ما زال أمامه نقاش برلماني خلال الأشهر المقبلة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التعديلات أو التسويات. وهذا يمنح الصناعة هامشاً إضافياً للضغط، لكنه يضع أيضاً الحكومة تحت اختبار سياسي يتعلق بقدرتها على ضبط التكاليف دون الإضرار بالاستثمار.
انعكاسات أوسع على السياسات الصحية في أوروبا
التوتر الحالي لا يقتصر على ألمانيا وبريطانيا. ففي فرنسا، اتهمت الهيئة الوطنية للصحة في أبريل شركات دوائية باستخدام ضغوط قسرية للتأثير في التقييمات السريرية، بما في ذلك التهديد بسحب بعض الأدوية من السوق. وفي هولندا، حذرت جماعات صناعية من أن الشركات أصبحت أكثر حذراً عند تقديم طلبات السداد، وأن البلاد قد تتراجع في قوائم الأولوية الخاصة بإطلاق الأدوية الجديدة.
ويزداد هذا المشهد تعقيداً مع السياسات الأمريكية الجديدة، خصوصاً مساعي واشنطن لربط أسعار الأدوية في السوق الأمريكية بأسعار أقل في الخارج، بما في ذلك أوروبا. وقد دفعت هذه الضغوط بعض الشركات الكبرى إلى إبرام تفاهمات مع البيت الأبيض لخفض تكاليف الأدوية مقابل إعفاءات من الرسوم الجمركية، وهو ما أضاف طبقة جديدة من الضغط على الأسواق الأوروبية.
بالنسبة إلى صانعي السياسات في أوروبا، تكمن المشكلة في أن أي تنازل قد يفسر على أنه سابقة تشجع الشركات على تكرار النهج نفسه. لكن في المقابل، فإن تجاهل تحذيرات القطاع قد يؤدي إلى خسارة استثمارات أو تأخير طرح علاجات يحتاجها المرضى. لذلك تبدو المعركة أقرب إلى اختبار توازن بين ضبط الإنفاق وحماية الابتكار.
معادلة صعبة بين الاستثمار والوصول إلى العلاج
يرى محللون أن ما يحدث يكشف مقدار النفوذ الذي لا تزال شركات الأدوية تملكه داخل الأسواق الأوروبية، حتى مع انخفاض ربحية هذه الأسواق مقارنة بالولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، لا تزال الحكومات الأوروبية تمتلك بدورها أدوات ضغط، لأن السوق الأوروبية تبقى مهمة ومؤثرة في خطط الشركات العالمية، حتى إن لم تكن الأكثر ربحية.
غير أن الدرس الذي يخرج به كثير من المراقبين هو أن المنافسة على الاستثمار في قطاع الدواء لم تعد منفصلة عن السياسات التجارية والجيوسياسية الأوسع. فالتسعير، والتعويضات، والرسوم الجمركية، وسياسات الابتكار، كلها أصبحت مترابطة ضمن مفاوضات معقدة تحدد أين تُستثمر الأموال، وأين تُطرح الأدوية أولاً، ومن يدفع الكلفة النهائية.
وبينما تواصل أوروبا البحث عن توازن جديد، يبدو أن شركات الأدوية ستظل تستخدم عنصر الاستثمار باعتباره أحد أهم أدوات التأثير في صنع القرار الصحي والاقتصادي داخل القارة.