تحركت أسعار الألمنيوم قرب أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر خلال تعاملات الأربعاء، في ظل مزيج من العوامل الضاغطة شمل استمرار قوة الدولار الأميركي وارتفاع الرهانات على عودة تدريجية للإمدادات من الشرق الأوسط، ما أبقى السوق تحت ضغط بيعي واضح رغم بعض الارتدادات المحدودة.
وفي بورصة لندن للمعادن، صعد عقد الألمنيوم القياسي لثلاثة أشهر بصورة طفيفة إلى 3238 دولاراً للطن المتري، بعد خسائر حادة في الجلسة السابقة. أما في بورصة شنغهاي، فقد تراجع العقد الأكثر نشاطاً إلى 23480 يواناً للطن، بعدما لامس خلال الجلسة أدنى مستوى له منذ ثلاثة أشهر.
الإمدادات تعود إلى واجهة التسعير
جاء الضغط على الأسعار مدفوعاً بتوقعات بأن التهدئة المحتملة في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران قد تفتح المجال أمام استئناف الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط. وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة في سوق الألمنيوم، إذ تمثل نحو 9 في المائة من الطاقة العالمية لصهر المعدن الأولي.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، تأثرت سلاسل الإمداد بتقلبات مرتبطة بالحرب والاضطرابات الجيوسياسية، إلا أن تحسن الرؤية بشأن مسار التفاهمات السياسية أعاد إلى السوق تقديرات أكثر تفاؤلاً بشأن تدفق المعدن في المدى القريب. وظهر ذلك أيضاً في بيانات بورصة لندن للمعادن، التي أظهرت تحسناً في وفرة المعروض الفوري.
وبلغ الفارق بين السعر الفوري وسعر العقود لثلاثة أشهر مستوى طفيفاً من حالة الكونتانغو، وهو ما يشير عادةً إلى توافر أكبر في الإمدادات القريبة الأجل مقارنة بالطلب الفوري.
الدولار الأقوى يرفع كلفة الشراء
زاد الدولار الأميركي من الضغوط على المعادن المقومة به، بعدما واصل مكاسبه للجلسة الخامسة على التوالي بدعم من الإقبال على الأصول الآمنة. ويؤدي ارتفاع العملة الأميركية إلى جعل شراء السلع الأساسية أكثر كلفة بالنسبة للمستهلكين الذين يتعاملون بعملات أخرى، ما يضعف الطلب عادة في الأسواق العالمية.
كما أن استمرار التوقعات بأن أسعار الفائدة الأميركية ستبقى مرتفعة لفترة أطول أضاف عبئاً جديداً على شهية المستثمرين تجاه السلع الصناعية. وفي بيئة الفائدة المرتفعة، تميل تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع، ما يحد من النشاط الاقتصادي ويضغط على الطلب المرتبط بالنمو الصناعي والبناء والتصنيع.
وترافقت هذه العوامل مع موجة بيع في أسهم التكنولوجيا في الولايات المتحدة، الأمر الذي عزز الحذر في الأسواق المالية الأوسع، ودفع المزيد من رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة التقليدية، وعلى رأسها الدولار وسندات الخزانة الأميركية.
النحاس يستفيد من رهانات البنية التحتية والذكاء الاصطناعي
في المقابل، أظهر النحاس أداءً أكثر تماسكاً مقارنة بالألمنيوم. فقد ارتفع في بورصة لندن للمعادن بشكل طفيف، بينما تراجع في شنغهاي، في حركة تعكس تباين النظرة إلى الطلب في السوقين العالمية والصينية.
ويستفيد النحاس من توقعات نمو الطلب المرتبطة بتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستثمارات المتسارعة في شبكات الكهرباء ومشروعات المركبات الكهربائية. وهذه الاتجاهات تمنح المعدن الأحمر دعماً هيكلياً مختلفاً عن الألمنيوم، الذي يبقى أكثر حساسية لتحولات المعروض الفوري وسعر الدولار.
ويرى متعاملون أن سوق النحاس ما زالت تستند إلى رواية طلب طويل الأجل أقوى نسبياً، حتى مع بقاء ضغوط السياسة النقدية العالمية حاضرة على المدى القصير.
تباين واضح في حركة المعادن الأخرى
شهدت المعادن الأساسية الأخرى أداءً متبايناً في بورصة لندن للمعادن، إذ تراجع الزنك بشكل طفيف، فيما ارتفع الرصاص والنيكل بنسبة محدودة، بينما هبط القصدير بنحو أكبر نسبياً. وفي شنغهاي، اتسعت الخسائر أكثر، مع انخفاضات ملحوظة في الزنك والرصاص والنيكل، وتراجع القصدير بأكبر وتيرة بين المعادن المتداولة.
ويعكس هذا التباين اختلافاً في تقديرات المستثمرين بشأن الطلب الصناعي، خصوصاً في ظل بطء التعافي في بعض القطاعات الصناعية الآسيوية، وتزايد الرهانات على سياسات نقدية أكثر تشدداً في الاقتصادات الكبرى.
كما أن المعادن الأكثر ارتباطاً بإيقاع الصناعة التحويلية والبناء ما زالت شديدة الحساسية لأي إشارات تتعلق بالنمو العالمي، أو حركة الدولار، أو مستويات المخزون في الموانئ والمصاهر والمراكز اللوجستية الكبرى.
قراءة السوق: مزيج من الجغرافيا السياسية والفائدة
تؤكد التحركات الأخيرة أن سوق الألمنيوم لا تتحرك بفعل عامل واحد، بل تحت تأثير تزامن واضح بين الجغرافيا السياسية وسياسات البنوك المركزية وقوة العملة الأميركية. فكل إشارة إلى انفراج في الإمدادات من الشرق الأوسط تضغط على الأسعار، وكل جولة صعود للدولار تزيد كلفة التمركز في السلع بالنسبة للمستوردين.
وفي الوقت نفسه، تظل توقعات الفائدة المرتفعة واحدة من أهم محددات المزاج العام في أسواق السلع، لأنها تؤثر في مستويات السيولة، وتكلفة التمويل، وتوقعات النمو الصناعي. ومع استمرار هذه البيئة، يبقى الألمنيوم من أكثر المعادن عرضة للتذبذب بين إشارات التعافي في الطلب ومؤشرات وفرة المعروض.
وبالنسبة للمستثمرين والمتعاملين في سلاسل التوريد، فإن المسار القادم سيعتمد على مدى سرعة عودة الإمدادات من الشرق الأوسط، وعلى اتجاه الدولار، وعلى ما إذا كانت البيانات الاقتصادية العالمية ستدعم توقعات الطلب الصناعي أم تعمق الضغوط الحالية على المعادن الأساسية.