تراجع واسع في الأسهم الأوروبية
سجلت الأسواق الأوروبية بداية أسبوع ضعيفة، بعدما هبط مؤشر «ستوكس 600» إلى أدنى مستوياته في أسبوعين، مع زيادة عزوف المستثمرين عن المخاطرة بفعل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وامتداد موجة البيع إلى قطاعات متعددة. وجاء الهبوط في وقت تتعرض فيه المعنويات لضغوط مزدوجة من الجغرافيا السياسية ومن التراجعات الحادة في أسهم التكنولوجيا عالمياً.
وانخفض المؤشر الأوروبي الأوسع نطاقاً بنحو 0.9 في المائة ليصل إلى 616.04 نقطة في ساعات التداول الأولى، وسط خسائر متقاربة في غالبية المؤشرات الإقليمية الرئيسية. ويعكس هذا التحرك حساسية الأسواق الأوروبية السريعة لأي اضطراب في إمدادات الطاقة أو ارتفاع مفاجئ في المخاطر السياسية، لا سيما عندما تتزامن هذه العوامل مع تقلبات في أسواق الأسهم الأميركية والآسيوية.
وساهم ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 4 في المائة في تعزيز الضغوط، بعد تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. ومع اتساع المخاوف من احتمال تحول التصعيد إلى مواجهة أوسع، أعاد المستثمرون تسعير المخاطر المرتبطة بالتضخم والطاقة وتكاليف النقل، وهي عناصر تؤثر مباشرة في شهية الأسواق للأسهم الدورية والأسهم المرتبطة بالنمو.
الطيران والتكنولوجيا بين الأكثر تضرراً
كانت أسهم شركات الطيران من أبرز الخاسرين في الجلسة، إذ تعرضت لضغوط واضحة بسبب ارتباطها المباشر بتكاليف الوقود. وتراجعت أسهم شركات مثل «لوفتهانزا» والخطوط الجوية الفرنسية بأكثر من 2 في المائة لكل منهما، مع خشية المستثمرين من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى تقليص هوامش الربحية في قطاع يعاني أصلاً من حساسية كبيرة تجاه أسعار النفط.
أما قطاع التكنولوجيا، فواصل مواجهة موجة بيع عالمية طاولت الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وانخفضت أسهم التكنولوجيا الأوروبية بنسبة 2.1 في المائة، متأثرة بخسائر وول ستريت في نهاية الأسبوع الماضي، إضافة إلى الأداء السلبي في الأسواق الآسيوية. وبدت الصورة أكثر وضوحاً مع هبوط أسهم «إنفينيون» بنسبة 1.7 في المائة و«بي إي سي ميكوندكتور» بنحو 3.8 في المائة.
كما تراجعت أسهم شركات المعدات الكهربائية والمنتجات المرتبطة بمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنها «ليغراند» و«شنايدر إلكتريك»، بنحو 2 في المائة لكل منهما. ورغم ذلك، لا يزال القطاع التكنولوجي الأوروبي يحتفظ بأداء قوي على أساس فصلي، بعدما سجل أفضل مكاسب بين قطاعات «ستوكس 600» خلال الربع الحالي حتى الآن.
تأثير النفط والفائدة على توجهات المستثمرين
يرى متعاملون أن عامل النفط عاد ليحتل موقعاً مركزياً في تسعير الأصول المالية، بعد أن ساعدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط على رفع أسعار الخام وإحياء المخاوف من اضطرابات أطول في الإمدادات. وفي العادة، يؤدي صعود النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما يترك الأسواق أمام احتمال استمرار السياسة النقدية المشددة لفترة أطول مما كان متوقعاً.
وفي الولايات المتحدة، عززت بيانات الوظائف الأقوى من التقديرات السابقة قناعة المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول، مع بقاء احتمالات رفع إضافي في ديسمبر محل متابعة. هذا التباين بين قوة سوق العمل الأميركية وبين المخاطر الجيوسياسية يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى قرارات الاستثمار في الأسهم الأوروبية، خاصة في القطاعات الحساسة لتكاليف التمويل.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يترقب المستثمرون قرار البنك المركزي الأوروبي المقرر صدوره يوم الخميس، وسط توقعات واسعة بأن يقوم برفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. وتبقى هذه التوقعات ذات أثر مباشر على البنوك والشركات المثقلة بالديون وعلى تقييمات أسهم النمو في الوقت نفسه.
صفقة استحواذ ترفع سهم مونتي دي باشي
في مقابل المشهد السلبي العام، برزت حالة استثنائية في السوق الإيطالية بعدما ارتفع سهم «مونتي دي باشي دي سيينا» بنسبة 9.5 في المائة، إثر إعلان «إنتيسا سان باولو» عن عرض استحواذ غير مرغوب فيه بقيمة 30.6 مليار يورو، يجمع بين النقد والأسهم. ويُعد هذا التطور من أبرز تحركات الاندماج والاستحواذ في القطاع المصرفي الأوروبي خلال الفترة الأخيرة.
لكن المفارقة أن سهم «إنتيسا سان باولو»، أكبر مجموعة مصرفية في إيطاليا، تراجع بنسبة 3.2 في المائة بعد الإعلان، في إشارة إلى قلق السوق من تكلفة الصفقة واحتمالات عدم نجاحها. وغالباً ما تعكس مثل هذه التحركات تشكيك المستثمرين في جدوى العروض العدائية، خصوصاً عندما تكون ذات حجم كبير وتستدعي إعادة تقييم شاملة لرأس المال والمخاطر التنظيمية.
وتبرز هذه الصفقة في لحظة تتسم فيها البنوك الأوروبية بقدرة نسبية على الاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، لكنها تواجه في المقابل ضغوطاً متزايدة من المنافسة، وتراجع النشاط الائتماني، والتقلبات التي تفرضها البيئة الاقتصادية العالمية. ولهذا، ينظر المستثمرون إلى أي صفقة اندماج كبرى بوصفها اختباراً لقوة القطاع ولشهية الأسواق تجاه التوسع المصرفي.
ما الذي يترقبه السوق في المدى القريب
التحركات الأخيرة تشير إلى أن السوق الأوروبية دخلت مرحلة أكثر حساسية تجاه عاملين متداخلين: تطورات الشرق الأوسط من جهة، ومسار السياسة النقدية العالمية من جهة أخرى. وإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، فقد تمتد الضغوط إلى قطاعات إضافية مثل النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية، بينما قد تبقى أسهم الطاقة من بين المستفيدين النسبيين.
كما أن أي إشارة من البنك المركزي الأوروبي بشأن مسار الفائدة ستحدد جزءاً مهماً من اتجاهات التداول في الأيام المقبلة، خصوصاً في ظل تباين النظرة إلى التضخم والنمو. وفي الوقت نفسه، يظل قطاع التكنولوجيا عرضة لتقلبات جديدة طالما بقيت أسهم الذكاء الاصطناعي تحت ضغط إعادة التقييم في الأسواق العالمية.
وبين صعود النفط، وبيع الأسهم الدفاعية والنمو، وتفاعل البنوك مع صفقات الاستحواذ، تبدو الأسواق الأوروبية أمام مزيج من العوامل المتضاربة التي قد تبقي التقلبات مرتفعة على المدى القريب.