الألمنيوم يعود إلى مستويات قياسية
سجلت أسعار الألمنيوم أعلى مستوى لها منذ أكثر من أربع سنوات، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المستثمرين إلى إعادة تسعير مخاطر الإمدادات في سوق المعادن الصناعية. وجاءت الحركة الصعودية مع ازدياد القلق من تأثير التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على خطوط الشحن والإمداد المرتبطة بالمنطقة.
وفي التعاملات الأخيرة، ارتفع السعر القياسي للألمنيوم في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.6 في المائة ليصل إلى 3690 دولاراً للطن المتري، بعدما لامس 3707.50 دولارات في وقت سابق، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2022. ويعكس هذا الصعود حساسية السوق لأي اضطراب في سلاسل التوريد، خاصة في معدن يدخل في صناعات واسعة تمتد من السيارات والطائرات إلى علب المشروبات ومواد البناء.
الشرق الأوسط في قلب معادلة المعروض
تشير البيانات السوقية إلى أن الشرق الأوسط يمثل نحو 9 في المائة من الطاقة العالمية لصهر الألمنيوم، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة سريع الأثر على السوق الدولية. ومع إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الحركة فيه، تتعرض صادرات الألمنيوم من المنطقة لضغوط مباشرة، إلى جانب تراجع القدرة على استيراد المواد الخام الضرورية لعمليات الصهر.
هذا التداخل بين الإمدادات والمواد الأولية يرفع من المخاطر في وقت تعتمد فيه الصناعات التحويلية على استقرار تدفق المعدن. كما أن أي قيود لوجستية أو تأخيرات في الشحن قد تترك أثراً ممتداً على المصانع التي تعمل بهوامش ربح محدودة وتعتمد على التوريد المنتظم.
السوق تتوقع عجزاً واسعاً هذا العام
يرى محللون أن سوق الألمنيوم تتجه إلى عجز كبير خلال العام الجاري، مع تقديرات تشير إلى أن النقص قد يتجاوز مليوني طن. وتأتي هذه التوقعات في ظل زيادة المخاوف من تراجع الإمدادات من جهة، واستمرار الطلب الصناعي من جهة أخرى، ما يعزز فرص بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً إذا لم تتراجع الضغوط الجيوسياسية.
وقالت «بريتانيا غلوبال ماركتس» في مذكرة إن الألمنيوم ما يزال العنصر الأبرز في حركة المعادن الحالية، مشيرة إلى أن التراجع الحاد في العقود الآجلة يعكس حجم المخاطر في السوق. والمقصود بالتراجع هنا الفجوة السعرية بين العقود قصيرة الأجل وطويلة الأجل، وهي فجوة اتسعت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.
وبلغ الفرق بين العقود الفورية وعقود ثلاثة أشهر في بورصة لندن أعلى مستوى له منذ 19 عاماً، متجاوزاً 100 دولار للطن. ويُنظر إلى هذا الاتساع عادة بوصفه إشارة إلى ضيق الإمدادات الفورية وارتفاع الحاجة إلى المعدن حالاً، وليس فقط على المدى المتوسط.
أثر التوترات يمتد إلى المصانع البريطانية
لم تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار السلع على أسواق المعادن، بل بدأت تظهر أيضاً في القطاع الصناعي البريطاني. فقد رفع المصنعون في بريطانيا أسعارهم بأسرع وتيرة منذ يونيو 2022 خلال الشهر الماضي، استجابة مباشرة لارتفاع التكاليف الناتج عن اضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن أداء الإنتاج الصناعي في مؤشر مديري المشتريات التصنيعي البريطاني وصل في مايو إلى أعلى مستوى منذ بدء النزاع في أواخر فبراير، لكن هذا التحسن يبدو مرتبطاً إلى حد كبير بطلبات مسبقة من الشركات التي تحاول بناء مخزونات أمان قبل موجة تضخم جديدة محتملة.
وقال روب دوبسون، مدير معلومات السوق في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إن هذا الارتفاع قد لا يستمر طويلاً، لأن العملاء سيعودون إلى مستويات شراء أكثر هدوءاً بمجرد تكوين احتياطيات كافية. ويعكس ذلك أن جزءاً من النشاط الصناعي الحالي قد يكون مؤقتاً وليس مؤشراً على تحسن مستدام.
بنك إنجلترا يراقب انتقال الأسعار
يتابع بنك إنجلترا عن كثب مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى بقية الاقتصاد، بعدما رفعت التكلفة المرتفعة للمدخلات الصناعية الضغط على الشركات البريطانية. وكان البنك قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الراهن، لكنه لم يستبعد أن يدفع استمرار انتقال الزيادة من الطاقة إلى السلع والخدمات إلى تشديد السياسة النقدية لاحقاً.
وقال المحافظ أندرو بيلي إن اتساع أثر الأسعار من قطاع الطاقة إلى بقية الأسواق قد يزيد احتمال رفع الفائدة. وتظهر هذه المخاوف بوضوح في بيانات التصنيع، التي سجلت أعلى وتيرة لارتفاع تكاليف المدخلات منذ يونيو 2022، مدفوعة بزيادات في أسعار المواد الكيميائية والإلكترونيات والطاقة والغذاء والوقود والبلاستيك والمعادن والتغليف والورق والأخشاب.
كما أشار المسح إلى أن الشركات الصناعية تواصل تمرير جزء كبير من هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، وبوتيرة تعد من الأسرع في تاريخ المسح. وهذا يعني أن الضغوط التضخمية لا تزال حاضرة بقوة، رغم أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يحاول استيعاب تأثير ارتفاع الفائدة وتباطؤ النمو.
النحاس والمعادن الأخرى تتحرك في الاتجاه نفسه
شهدت المعادن الصناعية الأخرى ارتفاعات متباينة لكنها واضحة، في إشارة إلى أن الضغوط لا تقتصر على الألمنيوم وحده. فقد ارتفع النحاس 1.1 في المائة ليصل إلى 13792 دولاراً للطن، وزاد الزنك 0.9 في المائة إلى 3571 دولاراً، وارتفع الرصاص بنسبة 0.1 في المائة إلى 2018 دولاراً، بينما صعد القصدير 2 في المائة إلى 56500 دولار، والنحاس النيكل 1.1 في المائة إلى 19280 دولاراً.
وفي سوق النحاس، تلعب عوامل أخرى دوراً إضافياً في دعم الأسعار، من بينها المخاوف المتعلقة بالرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، وضعف نمو الإمدادات من المناجم، وتحسن النشاط الصناعي في الصين، أكبر مستهلك للمعادن في العالم. كما ساهمت الزيادة الكبيرة في مخزونات النحاس داخل مستودعات «كومكس» في إبقاء السوق تحت ضغط متابعة دقيقة لتوقعات العرض والطلب.
وتشير هذه الصورة الأوسع إلى أن أسواق المعادن الصناعية أصبحت أكثر حساسية لتقاطع ثلاثة عناصر معاً: التوترات الجيوسياسية، والسياسة التجارية، والنشاط الصناعي العالمي. وعندما تتزامن هذه العناصر، يصبح من الصعب على الأسواق العودة سريعاً إلى مستويات استقرار سابقة.
قراءة أوسع لسوق السلع
المشهد الحالي يوضح أن ارتفاع أسعار الألمنيوم ليس حركة معزولة، بل جزء من موجة أوسع تعكس قلق الأسواق من الإمدادات وتكاليف الإنتاج. فالمصانع باتت تواجه أسعاراً أعلى للمدخلات، والمستهلكون قد يواجهون لاحقاً جزءاً من هذه الزيادات عبر السلع النهائية، في حين يظل صانعو السياسة النقدية أمام تحدي موازنة التضخم مع النمو.
وفي المدى القريب، يبدو أن اتجاه الأسعار سيبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الشرق الأوسط، ومدى قدرة الأسواق على الحفاظ على تدفق التجارة عبر الممرات البحرية الحيوية. أما إذا استمرت الضغوط، فقد تبقى المعادن الصناعية في دائرة صعود متقطع مدفوع بالخوف من نقص المعروض أكثر من نمو الطلب نفسه.