أسواق تبدأ الأسبوع على إيقاع الحذر
دخلت العقود الآجلة الأميركية جلسة الجمعة على حالة من الثبات النسبي، بعد أن أنهت وول ستريت تعاملات اليوم السابق عند مستويات قياسية جديدة. وجاء هذا الاستقرار وسط مزاج استثماري يميل إلى التفاؤل، لكنه لا يخلو من الحذر بسبب التطورات السياسية الدولية، ولا سيما ما يتصل بالمحادثات المرتبطة بإيران واحتمالات التهدئة في المنطقة.
ويبدو أن المتعاملين فضلوا عدم المبالغة في بناء المراكز الجديدة قبل اتضاح الصورة بشأن الملف الجيوسياسي، خاصة أن أي تحسن أو تعثر في مسار التهدئة قد ينعكس سريعاً على شهية المخاطرة وعلى اتجاهات النفط والتضخم في الوقت نفسه.
وفي الساعات الأولى من التداول، تحركت العقود الآجلة بشكل محدود: ارتفع مؤشر داو جونز هامشياً، وصعد ستاندرد آند بورز 500 بنسبة ضئيلة، بينما تراجع ناسداك 100 بشكل طفيف. وتعكس هذه الحركة المتباينة حالة من الترقب أكثر من كونها إشارة إلى تغير واضح في مزاج السوق.
الجغرافيا السياسية تظل المحرك الأبرز
أفادت تقارير بأن واشنطن وطهران توصّلتا إلى تفاهم مبدئي لتمديد وقف إطلاق النار ورفع القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز، غير أن الموافقة النهائية لم تصدر بعد. وهذا النوع من التطورات، حتى عندما يكون غير محسوم، يكفي عادة لإعادة تسعير جزء من المخاطر في الأسواق العالمية.
فالتهدئة المحتملة في المضيق، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة، تحمل انعكاسات مباشرة على تكاليف الشحن وأسعار الخام وتوقعات التضخم العالمي. وفي المقابل، فإن أي تعثر في هذه المسارات قد يعيد بسرعة موجة القلق بشأن سلاسل الإمداد والضغط على النمو.
وترى محللة الأسواق دانييلا هاثورن أن الأسواق تدخل عطلة نهاية الأسبوع في وضع إيجابي نسبياً، مستفيدة من تراجع بعض المخاوف الجيوسياسية ومن عدم ظهور مفاجآت كبيرة في بيانات التضخم الأخيرة. لكنها تشير أيضاً إلى أن التقييمات المرتفعة تجعل السوق أكثر حساسية لأي خبر جديد، سواء كان سياسياً أو نقدياً.
التضخم والفيدرالي في قلب الحسابات
الأسواق لم تغفل في الوقت ذاته قراءة التضخم الأخيرة في الولايات المتحدة، والتي أظهرت تسارعاً بأسرع وتيرة خلال ثلاث سنوات في أبريل، إلى جانب خفض تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول إلى 1.6 في المائة. وهذه المعطيات عززت قناعة المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يفضّل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، مع بقاء احتمال الرفع في ديسمبر محدوداً لكنه غير مستبعد.
وتكتسب تصريحات مسؤولي الفيدرالي خلال الفترة الحالية أهمية مضاعفة، لأنها تساعد على تفسير كيفية موازنة البنك المركزي بين تباطؤ النمو وضغوط الأسعار. وقد أشار بعض صناع السياسة النقدية بالفعل إلى أنهم قد يلجؤون إلى التشديد إذا لم يتراجع التضخم بالسرعة الكافية، في وقت لا يزال الجدل قائماً حول التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي في الإنتاجية والاقتصاد الكلي.
وبينما يترقب المستثمرون خطابات عدد من مسؤولي الفيدرالي، فإن الرسالة الأهم تبدو واضحة: السياسة النقدية ما زالت رهينة البيانات، ولا سيما بيانات الأسعار وسوق العمل والنشاط الاقتصادي.
الذكاء الاصطناعي يدعم المؤشرات رغم الضغوط
على الرغم من المخاوف المتصاعدة حول التضخم والحرب والطلب الاستهلاكي، تواصل مؤشرات الأسهم الأميركية تحقيق مستويات تاريخية بدعم من موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوقعات الأرباح القوية لدى عدد من الشركات الكبرى. هذا الدعم التكنولوجي يمنح السوق قدراً من المناعة، حتى عندما تتزايد الإشارات التحذيرية من السياسة النقدية أو من الاقتصاد الحقيقي.
وأظهرت تحركات ما قبل الافتتاح استمرار تأثير نتائج الأعمال في رسم الاتجاهات القطاعية. فقد قفز سهم دِل بقوة بعد رفع توقعاتها السنوية للإيرادات والأرباح، بينما سجلت أسهم هيوليت باكارد إنتربرايز وسوبر مايكرو كمبيوتر مكاسب ملحوظة أيضاً. ويعكس ذلك استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية والطلب على الحوسبة عالية الأداء.
وفي المقابل، تراجعت أسهم غاب بعد خفض التوقعات السنوية للمبيعات، وهو ما يشير إلى استمرار الضغوط على إنفاق المستهلك الأميركي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتجزئة والاستهلاك غير الأساسي. كما ارتفعت أسهم أوكتا بعد نتائج فصلية فاقت تقديرات السوق، في إشارة إلى أن الشركات التي تقدم أداءً أفضل من المتوقع لا تزال قادرة على جذب السيولة بسرعة.
الأسبوع التاسع من المكاسب يقترب
كان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في طريقه لتسجيل مكاسبه الأسبوعية التاسعة على التوالي، وهو ما يمثل أطول سلسلة صعود منذ أواخر 2023. كما اتجه داو جونز وناسداك لإنهاء الأسبوع على ارتفاع، في دلالة على أن موجة الصعود الأوسع لا تزال قائمة رغم تقلبات الأخبار.
لكن امتداد هذه السلسلة الصاعدة لا يعني غياب المخاطر. فكلما ارتفعت التقييمات، أصبحت الأسواق أكثر عرضة لردود فعل حادة تجاه البيانات أو الأحداث غير المتوقعة. ولهذا السبب، فإن أي تطور جديد في التضخم أو السياسة النقدية أو التوترات الدولية قد يغيّر المزاج العام بسرعة أكبر مما كان عليه الحال في الأسابيع السابقة.
ومن منظور أوسع، تعكس هذه المرحلة تداخلاً واضحاً بين ثلاثة محركات رئيسية للأسواق: الجغرافيا السياسية، والسياسة النقدية، والاقتصاد الرقمي المدفوع بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وكل واحد من هذه العوامل قادر وحده على تحريك المؤشرات، لكن اجتماعها في وقت واحد يجعل الرؤية الاستثمارية أكثر تعقيداً.
خلاصة المشهد الاستثماري
يمكن القول إن الأسواق الأميركية تدخل فترة حساسة تتوازن فيها شهية المخاطرة مع الحذر. فالتطورات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز تظل مصدر تأثير مباشر على الطاقة والتضخم، بينما يبقى الفيدرالي مراقباً لأي إشارة تدفعه إلى تعديل مساره. وفي الخلفية، تواصل شركات التكنولوجيا تعزيز الثقة في سردية النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا يفسر لماذا تبدو العقود الآجلة مستقرة ظاهرياً، لكنها في الواقع تستعد لجلسات قد تكون أكثر حساسية واستجابة للأخبار من أي وقت مضى. وبينما يراقب المستثمرون البيانات والتصريحات المقبلة، ستظل الأسواق معلقة على سؤال واحد: هل يمكن للجغرافيا السياسية والتضخم أن يفرضا تصحيحاً على موجة الصعود، أم أن قوة الزخم التكنولوجي ستبقى قادرة على امتصاص الصدمات؟