يستعد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لإجراء مراجعة جديدة لإطار سياسته النقدية، في خطوة تعيد فتح النقاش حول واحدة من أكثر أفكاره إثارة للجدل في السنوات الأخيرة: استهداف متوسط التضخم. هذا النهج، الذي تم اعتماده في 2020، جاء في وقت كان فيه البنك المركزي قلقاً من بقاء التضخم دون المستوى المستهدف لفترة طويلة. لكن صدمة الأسعار التي أعقبت الجائحة غيرت المشهد بالكامل، ودفعت كثيرين إلى التشكيك في صلاحية هذه المقاربة.
ورغم الانتقادات الواسعة، لا تبدو المؤشرات الحالية وكأنها تتجه نحو التخلي الكامل عن الإطار القائم. الأقرب هو إدخال تعديلات دقيقة على طريقة الصياغة والتنفيذ، مع منح وزن أكبر لتوقعات التضخم ولموازنة أوضح بين هدف استقرار الأسعار وهدف دعم التوظيف.
ما الذي يعنيه استهداف متوسط التضخم؟
الفكرة الأساسية وراء هذا النهج كانت بسيطة من حيث المبدأ: إذا ظل التضخم أقل من هدف 2% لفترة ممتدة، يمكن السماح له بأن يتجاوز هذا المستوى لبعض الوقت حتى يصبح متوسطه على مدى زمني أطول قريباً من الهدف المعلن. الهدف من ذلك كان منع التشديد النقدي المبكر، خاصة عندما يكون سوق العمل لم يستعد كامل قوته بعد.
هذا التغيير استند إلى تجربة عقد كامل تقريباً من التضخم الضعيف في الولايات المتحدة. في تلك المرحلة، كان القلق الأكبر لدى صناع السياسة هو أن رفع الفائدة بسرعة عند اقتراب التضخم من 2% قد يضر بالنمو وفرص العمل، خصوصاً للفئات التي تتأخر عادة في الاستفادة من تحسن الاقتصاد.
لكن المشكلة أن الإطار لم يحدد بوضوح المدة الزمنية التي يجب احتساب المتوسط عليها، ما جعل السياسة تبدو مرنة أكثر من اللازم في نظر بعض الاقتصاديين والمستثمرين.
لماذا تعرضت الاستراتيجية للانتقاد؟
الانتقاد الرئيسي يتركز على أن هذا النهج ربما شجع الاحتياطي الفيدرالي على التأخر في تشديد السياسة النقدية عندما بدأت الأسعار ترتفع بقوة في 2021. ومع صعود التضخم إلى مستويات مرتفعة، بدا للبعض أن البنك المركزي تمسك أكثر من اللازم بفكرة أن الارتفاع مؤقت، وأنه فضّل الانتظار بدلاً من التحرك المبكر.
هذا التأخر كانت له كلفة واضحة. فقد اضطر الفيدرالي لاحقاً إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة وقوية من أجل احتواء التضخم، ما زاد كلفة الاقتراض على الشركات والأسر، وأثر في أسواق السندات والاستثمار والنشاط الاقتصادي عموماً.
كما أن المشكلة لم تكن في الأرقام الحالية فقط، بل في ما حدث لتوقعات التضخم. فعندما تبدأ الأسر والأسواق في الاعتقاد بأن التضخم سيبقى أعلى من الهدف الرسمي لفترة طويلة، تصبح مهمة البنك المركزي أصعب، لأن هذه التوقعات قد تنتقل إلى الأجور والتسعير والعقود والإنفاق.
ماذا تقول البيانات طويلة الأجل؟
على المدى الطويل، يمكن القول إن الصورة ليست سوداء بالكامل. فمتوسط التضخم الأساسي وفق مقياس إنفاق الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، يدور حول 2.1% خلال نحو عشرين عاماً. من هذه الزاوية، يبدو أن الهدف العام لم ينحرف كثيراً عن المسار المعلن، حتى بعد تقلبات مرحلة ما بعد الجائحة.
لكن قراءة أطول أجلاً لا تكفي لإغلاق الجدل. فعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، كان متوسط التضخم الأساسي أقرب إلى 3.5%، وهو مستوى أعلى بوضوح من الهدف الرسمي. وهذا الفارق مهم لأن الأسواق والأسر تميل إلى بناء توقعاتها على التجربة الحديثة أكثر من المتوسطات التاريخية الطويلة.
بمعنى آخر، يمكن لإطار السياسة أن يبدو ناجحاً عند النظر إلى الخلف لفترة طويلة، لكنه قد يبدو أقل إقناعاً عند تقييم أثره على القرارات الحالية وعلى ثقة الجمهور في التزام البنك المركزي بهدف 2%.
اتجاه المراجعة المقبلة
التوقعات السائدة تشير إلى أن المراجعة الحالية لن تحمل انقلاباً كاملاً في السياسة، بل إعادة ضبط محسوبة. ومن المرجح أن تشمل هذه المراجعة نقاطاً أساسية عدة.
- زيادة التركيز على توقعات التضخم بوصفها مؤشراً مبكراً على ترسخ الضغوط السعرية.
- إعادة التوازن بين هدفي التضخم والتوظيف بحيث لا يبدو أحدهما متقدماً دائماً على الآخر.
- صياغة أوضح للإطار لتقليل الغموض الذي أحاط بفكرة المتوسط الزمني.
- الحفاظ على قدر من المرونة يسمح بالتحرك السريع عند وقوع صدمات جديدة.
هذا المسار يعكس إدراكاً متزايداً داخل الأوساط النقدية بأن المشكلة لم تكن فقط في الفكرة، بل أيضاً في طريقة التواصل معها. فالبنوك المركزية لا تدير التوقعات بالأدوات المالية وحدها، بل باللغة والإشارات أيضاً. وأي غموض في الرسالة قد يدفع الأسواق إلى استنتاجات خاطئة.
أثر ذلك على أسعار الفائدة والأسواق
إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على جوهر الاستهداف المتوسط مع تشديد أكبر تجاه توقعات التضخم، فقد يعني ذلك بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مقيدة لفترة أطول مما كانت تتوقعه بعض الأسواق. حتى إذا تراجعت قراءات التضخم الشهرية نحو 2%، فإن البنك المركزي قد يفضل التريث قبل التحول إلى سياسة أكثر تيسيراً، ما لم يظهر ضعف واضح في سوق العمل.
هذا السيناريو له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الرقمي وبيئة الأعمال. فالفائدة المرتفعة لا تؤثر فقط في تمويل العقارات أو الاستهلاك، بل تضغط أيضاً على الشركات الناشئة، وتمويل رأس المال الجريء، وتقييمات شركات التكنولوجيا، وخطط التوسع لدى المؤسسات الرقمية.
في فترات التشديد النقدي، تصبح السيولة أكثر كلفة، ويزداد تركيز المستثمرين على الربحية والانضباط المالي بدلاً من النمو السريع بأي ثمن. ولهذا تتابع أسواق الأعمال والتقنية أي تعديل في خطاب الفيدرالي بدقة شديدة، لأن أثره يصل إلى قرارات التوظيف والاستثمار والابتكار.
ماذا يعني ذلك للشركات وصناع القرار؟
بالنسبة للشركات، لا يتعلق الأمر بمصطلح فني داخل بنك مركزي، بل بإشارات عملية تمس التخطيط المالي اليومي. فإذا استمر الفيدرالي في نهج متشدد نسبياً، ستحتاج الشركات إلى افتراض أن كلفة التمويل قد تبقى مرتفعة لفترة أطول. وهذا يفرض مراجعة أولويات الإنفاق، وهيكلة الديون، وسرعة التوسع، وإدارة المخاطر.
أما المستثمرون، فسيواصلون مراقبة ما إذا كانت المراجعة ستمنح الأسواق وضوحاً أكبر أم ستكتفي بتعديل لغوي محدود. الوضوح هنا مهم، لأن أي فجوة بين الرسائل الرسمية وتوقعات المستثمرين قد تزيد تقلبات السندات والأسهم والعملات.
كذلك، فإن التوازن بين استقرار الأسعار ودعم التوظيف سيظل نقطة حساسة. فإذا بالغ البنك المركزي في التركيز على التضخم، قد يضعف النمو وسوق العمل. وإذا تأخر مرة أخرى في مواجهة الضغوط السعرية، فقد تتعرض مصداقيته لمزيد من التآكل. المراجعة المقبلة تحاول على الأرجح تفادي هذين الطرفين.
خلاصة المشهد
المراجعة المنتظرة لاستراتيجية الاحتياطي الفيدرالي تعكس درساً أساسياً في الاقتصاد الحديث: السياسة النقدية لا تُقاس فقط بنواياها، بل أيضاً بتوقيتها، ووضوحها، وقدرتها على التكيف مع الصدمات. استهداف متوسط التضخم لم يثبت فشله الكامل، لكنه لم يخرج أيضاً من تجربة السنوات الماضية من دون خسائر في السمعة والفعالية.
لذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو بقاء المبدأ العام مع تعديلات تجعل الإطار أكثر حذراً وأقل غموضاً. وإذا حدث ذلك، فسيكون الهدف ليس فقط تحسين السياسة، بل أيضاً استعادة الثقة في قدرة البنك المركزي على ضبط الأسعار من دون إرباك النمو والعمالة. بالنسبة للأسواق والشركات، الرسالة الأهم قد تكون أن عصر الحساسية العالية تجاه التضخم لم ينته بعد، وأن قرارات الفائدة ستظل مرتبطة بشكل وثيق بتوقعات الأسعار أكثر من اعتمادها على الأرقام الماضية وحدها.