03-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الين الياباني يقترب من أدنى مستوياته التاريخية مع تراجع أثر تدخلات طوكيو

يتعرض الين الياباني لضغوط متزايدة مع اقترابه من مستويات لم يشهدها منذ عقود، في وقت تبدو فيه تدخلات طوكيو اللفظية والمالية أقل قدرة على كبح المضاربات وسط اتساع فجوة العائدات مع الولايات المتحدة.

الين يعود إلى واجهة القلق في أسواق الصرف

تواجه اليابان مرحلة شديدة الحساسية في سوق العملات، بعدما اقترب الين من مستويات تعد من الأضعف في تاريخه الحديث. هذا التراجع المتجدد أعاد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً في أسواق المال: هل ما تزال أدوات طوكيو قادرة على حماية عملتها، أم أن الضغوط العالمية باتت أقوى من أي تدخل منفرد؟

وخلال التداولات الأخيرة، هبط الين إلى 161.81 مقابل الدولار، مقترباً من المستوى المسجل في 2024 عند 161.96، وهو أدنى مستوى للعملة اليابانية منذ عام 1986. ويعني تخطي هذا الحاجز أن الين قد يدخل مرحلة جديدة من الضعف التاريخي، على الرغم من أن الحكومة اليابانية أنفقت بالفعل مبالغ ضخمة للدفاع عنه خلال الأشهر الماضية.

وكانت السلطات قد لجأت إلى التدخل في سوق الصرف في عطلات نهاية أبريل وأوائل مايو، مستفيدة من ضعف السيولة، وضخت نحو 11.7 تريليون ين، أي ما يزيد على 72 مليار دولار. ورغم أن أثر العملية كان فورياً، فإن الارتداد لم يدم طويلاً، وعاد الدولار إلى تسجيل مكاسب جديدة، ما كشف أن السوق لم تغيّر قناعتها الأساسية بشأن اتجاه العملة اليابانية.

المستثمرون يراهنون على ضعف الين رغم التحذيرات

في السابق، كانت التصريحات الرسمية من وزارة المالية اليابانية كافية في كثير من الأحيان لتهدئة التداولات أو دفع المضاربين إلى تقليص رهاناتهم السلبية على الين. أما اليوم، فيبدو أن الأسواق تتعامل مع هذه التحذيرات باعتبارها إجراءات قصيرة الأمد لا تعالج جذور المشكلة.

هذا التحول انعكس في تمركزات المستثمرين، إذ ارتفع صافي الرهانات البيعية على العملة اليابانية إلى أعلى مستوياته منذ يوليو 2024، رغم التدخلات الحكومية وتوقعات رفع الفائدة مجدداً. ويبدو أن العامل الأكثر تأثيراً بالنسبة إلى المتعاملين ليس حجم الاحتياطي المستخدم للدفاع عن الين، بل الفارق الواسع في العائد بين اليابان والولايات المتحدة.

فعلى الرغم من رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً، فإن العوائد المحلية ما زالت منخفضة جداً مقارنة بالعوائد الأميركية. وفي المقابل، يواصل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التمسك بنبرة متشددة نسبياً، مع توقعات في السوق بمزيد من التشديد قبل نهاية العام. هذا التباين يجعل الدولار أكثر جاذبية لرؤوس الأموال العالمية، ويغذي صفقات الاقتراض بالين والاستثمار في الأصول الأعلى عائداً في الخارج، وهي آلية تضغط بشكل مباشر على العملة اليابانية.

بنك اليابان بين التضخم والاستقرار المالي

يرى محللون أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر الصرف فقط، بل أصبحت متداخلة مع السياسة النقدية الأوسع. ويقول كريس سكيلونا، رئيس الأبحاث الاقتصادية في «دايوا كابيتال ماركتس»، إن الين يظل عرضة لمزيد من التراجع ما دامت السياسة النقدية الأميركية أكثر تشدداً، مرجحاً أن تضطر السلطات اليابانية إلى التحرك مجدداً إذا استمر الضغط الحالي.

لكن الخيارات المتاحة أمام بنك اليابان ليست سهلة. فالبنك يحاول من جهة السيطرة على التضخم الذي يزداد بفعل ضعف الين وارتفاع أسعار الطاقة، ومن جهة أخرى يتجنب رفع الفائدة بسرعة كبيرة بما قد يضر بالنمو أو يربك سوق السندات اليابانية المثقلة بالديون.

نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، أكد أن السياسة النقدية لا تستهدف سعر الصرف مباشرة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تقلبات العملة تؤثر الآن على الاقتصاد والتضخم بدرجة أكبر من السابق. وهذه الإشارة تعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة النقدية بأن ضعف الين لم يعد متغيراً هامشياً، بل أصبح جزءاً من معادلة السياسة الاقتصادية نفسها.

ويزيد المشهد تعقيداً استمرار التوترات في الشرق الأوسط، التي دفعت أسعار النفط والطاقة إلى الارتفاع عالمياً. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته من الطاقة، فإن أي تراجع إضافي في قيمة الين يعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة الواردات، وهو ما يضغط على الأسر والشركات معاً.

الإنفاق العام يزيد الشكوك حول اتجاه السياسة الاقتصادية

ترى بعض الأوساط المالية أن الضعف الحالي للعملة لا يعود إلى العوامل النقدية فقط، بل يرتبط أيضاً بالمخاوف بشأن السياسة المالية للحكومة. فبحسب ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان، فإن الأسواق تنظر بقلق إلى التوسع المالي الذي تتبناه حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

وكانت الحكومة قد أقرت موازنة إضافية بقيمة 3 تريليونات ين لتمويل دعم الطاقة وتخفيف أعباء المعيشة، مع الاعتماد جزئياً على إصدار ديون جديدة. وهذا النهج، على أهميته الاجتماعية، يثير تساؤلات حول مسار المالية العامة اليابانية، لا سيما إذا استمر تمويل الإنفاق عبر الاقتراض في بيئة تتسم أصلاً بارتفاع الدين العام.

ويحذر ساكوراي من أن غياب الانسجام بين السياسة النقدية الهادفة إلى احتواء التضخم والسياسة المالية التوسعية قد يضعف ثقة الأسواق أكثر. فالتدخل في سوق العملات أو رفع الفائدة لن يكون كافياً إذا بقي المستثمرون مقتنعين بأن السياسة العامة تدفع في الاتجاه المعاكس، أي نحو مزيد من التضخم والعجز.

كما أن المخاوف من أثر الإنفاق المرتفع على التصنيف الائتماني لليابان لم تعد مستبعدة بالكامل في النقاشات الاقتصادية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع استمرار ضعف العملة وارتفاع كلفة الاستيراد. وفي مثل هذا الوضع، تصبح إدارة التوازن بين الدعم الاجتماعي والانضباط المالي مهمة أكثر صعوبة.

سوق يختبر قدرة طوكيو على استعادة الثقة

تبدو معركة الدفاع عن الين اليوم أكبر من مجرد اختبار لحجم الاحتياطات أو عدد التدخلات في السوق. فهي في جوهرها اختبار لمدى قدرة طوكيو على إقناع المستثمرين بأن سياساتها النقدية والمالية تسير في اتجاه واحد ومتسق، وأنها قادرة على معالجة أسباب الضعف لا مظاهره فقط.

حتى الآن، تشير حركة السوق إلى أن المضاربين لا يزالون في موقع أفضل. فالفجوة مع العوائد الأميركية مستمرة، والتوقعات بشأن رفع الفائدة في اليابان لا تبدو كافية وحدها لقلب الاتجاه، بينما تظل التدخلات الحكومية محدودة الأثر عندما تواجه تدفقات رأسمالية عالمية تبحث عن العائد الأعلى.

وبينما تواصل طوكيو مراقبة السوق عن كثب، يبقى الين أمام مزيج معقد من الضغوط: سياسة نقدية متحفظة، وبيئة عالمية تميل لمصلحة الدولار، وقلق متزايد من التضخم وتكلفة الطاقة، ومخاوف من اتساع العجز المالي. وفي ظل هذه العناصر مجتمعة، يبدو أن الأسواق ما زالت تختبر حدود قدرة اليابان على الدفاع عن عملتها، أكثر من اختبارها لمستوى معين في سعر الصرف نفسه.