تشدد نقدي مستمر رغم تهدئة جيوسياسية
تتجه البنوك المركزية الكبرى إلى الإبقاء على موقفها المتشدد تجاه التضخم، على الرغم من الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في إشارة إلى أن صناع السياسة النقدية لا يرون في التهدئة الجيوسياسية سبباً كافياً لتخفيف القيود النقدية سريعاً. فالأثر الذي تركته اضطرابات الطاقة وارتفاع الأسعار خلال الأشهر الماضية ما زال حاضراً في بيانات التضخم وتوقعات الأسواق، بينما لا تزال عودة الاستقرار إلى سوق النفط تبدو عملية تدريجية وليست فورية.
وتعكس هذه المقاربة قناعة متزايدة لدى مسؤولي السياسة النقدية بأن الصدمات الأخيرة في سوق الطاقة لم تنتهِ آثارها بعد. فحتى مع تراجع أسعار النفط بعد الإعلان عن الاتفاق، تشير قراءة الأسواق إلى أن المستثمرين يتعاملون بحذر، وسط شكوك في استدامة التهدئة، وأيضاً بسبب الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية وتعويض الاختلالات التي خلفها الصراع.
الفيدرالي يلمّح إلى رفع جديد للفائدة
في الولايات المتحدة، اختار مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام رفع محتمل لاحقاً هذا العام. وتأتي هذه الإشارة في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة كيفين وارش، وهو ما اعتبرته الأسواق تحولاً مهماً في نبرة البنك، بعد فترة كانت خلالها التوقعات تميل إلى اتجاه أكثر ليونة.
هذا التحول لم يبقَ في إطار الرسائل الرسمية فقط، بل انعكس أيضاً في تسعير الأسواق. ففي بداية العام، كان المستثمرون يراهنون على خفض للفائدة الأميركية مرتين أو ثلاث مرات خلال 2026، إلا أن هذه الرهانات انقلبت إلى توقعات بزيادة الفائدة بدلاً من ذلك. ويعني هذا أن الأوضاع المالية شددت فعلياً قبل أي خطوة تنفيذية جديدة، بفعل تغير التوقعات بشأن المسار النقدي.
ويشير اقتصاديون إلى أن الفيدرالي يبدو اليوم أكثر انفتاحاً على رفع إضافي للفائدة، خصوصاً مع بقاء التضخم الأساسي أعلى من المستويات المريحة لصناع القرار. كما أن تحسن النمو الاقتصادي المتوقع خلال الفترة المقبلة قد يمنح البنك المركزي مبرراً إضافياً للتعامل بحذر أكبر مع أي حديث عن التيسير.
آثار تمتد إلى أوروبا واليابان
لا يقتصر أثر السياسة النقدية الأميركية على الاقتصاد المحلي، بل يمتد إلى بقية الأسواق المتقدمة. ففي اليابان، زاد ضعف الين من الضغوط على بنك اليابان، وأعاد الحديث عن احتمال تدخل السلطات في سوق الصرف. كما تعززت الدعوات داخل البلاد لمواصلة رفع الفائدة، مع خشية من أن يرفع انخفاض العملة توقعات التضخم على المدى الطويل.
أما في أوروبا، فالصورة لا تبدو أقل تشدداً. فقد ناقش بنك إنجلترا بالفعل إمكانية رفع الفائدة، رغم إبقائها دون تغيير في اجتماعه الأخير. وفي الوقت نفسه، شدد البنك المركزي النرويجي على أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن تكاليف الاقتراض قد ترتفع قبل نهاية العام.
وبالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، الذي بدأ بالفعل دورة تشديد الأسبوع الماضي، فإن رسالة المسؤولين كانت واضحة: الاتفاق المؤقت في الشرق الأوسط لا يكفي لتبرير توقع هبوط سريع في الضغوط التضخمية. وما دام التضخم بعيداً عن المسار المستهدف، فإن الاحتمال يبقى قائماً أمام مزيد من الرفع إذا اقتضت المعطيات الاقتصادية ذلك.
أسواق النفط تراقب التوازنات الجديدة
رغم التراجع الذي شهدته أسعار الخام في الأيام الأخيرة عقب الإعلان عن الاتفاق، فإن منحنى الأسعار ما زال يعكس قدراً كبيراً من الحذر. وتتحرك عقود خام برنت الفورية قرب 77 دولاراً للبرميل، بينما تبقى العقود الآجلة القريبة عند مستويات مشابهة، في إشارة إلى أن السوق لم يقتنع بعد بعودة كاملة وسريعة إلى التوازن.
ويفسر محللون هذا السلوك بأن المشاركين في السوق يتعاملون مع الاتفاق بوصفه خطوة تهدئة أولية أكثر من كونه تسوية نهائية. كما أن أي تعافٍ مستدام في الإمدادات قد يحتاج وقتاً حتى يظهر أثره الكامل على المخزونات، وعلى توقعات الأسعار والتضخم معاً. لذلك، يبقى قطاع الطاقة عاملاً رئيسياً في قرارات البنوك المركزية، لا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن الأضرار التي لحقت ببعض البنى التحتية للطاقة خلال فترة الصراع، إلى جانب استنزاف المخزونات العالمية، ستجعل عودة الأسواق إلى أوضاعها الطبيعية تدريجية وقد تمتد إلى العام المقبل. وهذا يعني أن الضغوط التضخمية الناتجة عن الطاقة قد تظل قائمة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق في وقت سابق.
الأسواق تراجع رهاناتها على خفض الفائدة
التحول في لهجة البنوك المركزية أدى إلى إعادة تسعير واسعة داخل الأسواق المالية. فالمستثمرون باتوا يتوقعون أن يبقى التشدد النقدي قائماً مدة أطول، بدلاً من المسار الذي كان يُفترض أن يبدأ بخفض الفائدة. هذا التغير في التوقعات يضغط على التمويل والاقتراض والاستثمار، ويزيد حساسية الشركات والأسر تجاه أي تكلفة إضافية لرأس المال.
ويؤكد اقتصاديون أن هذا النوع من التشديد المسبق قد يكون أكثر تأثيراً من قرارات الفائدة نفسها، لأنه يعكس قناعة لدى المستثمرين بأن البنوك المركزية لن تتسامح مع التضخم المرتفع حتى لو هدأت بعض المخاطر الجيوسياسية. كما أن استمرار الأسعار فوق المستويات المستهدفة يجعل أي تراجع مبكر في السياسة النقدية خطوة محفوفة بالمخاطر.
وفي المحصلة، يبدو أن الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران خفف بعض التوترات في أسواق الطاقة، لكنه لم يغيّر حتى الآن حسابات البنوك المركزية الكبرى. فالتضخم ما زال العنصر الحاسم في المعادلة، والتشدد النقدي يظل الخيار المرجح إلى أن تتأكد السلطات من استقرار الأسعار على مسار هابط ومستدام.