تسارع الترقب في الأسواق العالمية
تدخل الأسواق المالية العالمية أسبوعاً بالغ الحساسية مع اقتراب صدور بيانات تضخم مهمة في الولايات المتحدة، إلى جانب قرارات وتوجيهات نقدية مرتقبة من عدد من البنوك المركزية الكبرى. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد إلى تقليص شهية المستثمرين للمخاطرة، ورفع احتمالات استمرار التشدد النقدي لفترة أطول مما كان متوقعاً.
وتتحرك الأسواق، من صرف أجنبي وسندات وأسهم، تحت تأثير مزيج معقد من العوامل: صدمة أسعار النفط، وتوقعات السياسة النقدية، وتباطؤ بعض الاقتصادات، ووجود إشارات متباينة من البيانات الاقتصادية الأخيرة. وفي هذا السياق، أصبحت الأسئلة الأساسية تدور حول توقيت أي خفض للفائدة، أو حتى مدى استعداد بعض البنوك المركزية للجوء إلى مزيد من الرفع إذا بقي التضخم أعلى من المستهدف.
الولايات المتحدة تحت مجهر التضخم
في الولايات المتحدة، يترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم لشهر مايو بوصفها المؤشر الأكثر حسماً قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي منتصف يونيو. وتكتسب هذه البيانات أهمية إضافية لأنها تأتي بعد تقرير وظائف قوي فاجأ الأسواق، ما قلّص إلى حد كبير احتمالات أن يتجه البنك المركزي الأميركي إلى خفض الفائدة في المدى القريب.
كما تراقب الأسواق مدى انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد، بما في ذلك السلع والخدمات وتكاليف الإنتاج. وإذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع، فقد يزداد اقتناع المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيبقي على نهجه الحذر، أو قد يظل الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد لاحقاً إذا لم تهدأ الضغوط السعرية.
وتشير تقديرات السوق إلى أن الاحتمالات أصبحت تميل نحو رفع إضافي في الفائدة بنهاية العام، مع بقاء التضخم بعيداً عن هدف 2 في المائة. كما تتجه الأنظار أيضاً إلى مؤشر أسعار المنتجين، الذي يوفر قراءة مبكرة عن الضغوط التضخمية في سلاسل الإنتاج، في وقت تستعد فيه وزارة الخزانة الأميركية لطرح مزادات على سندات لآجال مختلفة، ما يضيف عنصراً آخر من الحساسية للأسواق.
المركزي الأوروبي بين التضخم والطاقة
في أوروبا، يقف البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار لا يقل صعوبة، مع توقعات واسعة بأن يتجه إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لمواجهة آثار ارتفاع أسعار النفط وتراجع الرهانات على قرب انتهاء دورة التشديد. وتتمحور النقاشات حول كيفية حماية توقعات التضخم من الانفلات، من دون دفع النشاط الاقتصادي إلى مزيد من الضعف.
ويبدو أن صناع السياسة في منطقة اليورو يفضلون التحرك وفق نهج يعتمد على البيانات من اجتماع إلى آخر، مع تجنب تقديم التزامات بعيدة المدى. ويعكس هذا الحذر إدراكاً بأن موجة جديدة من الضغوط على الأسعار قد تعقّد مهمة العودة إلى استقرار التضخم، خاصة إذا امتدت آثار الطاقة إلى الأجور والتكاليف الأخرى.
وفي المقابل، فإن محدودية الدعم المالي الحكومي مقارنة بفترات سابقة تعني أن جزءاً كبيراً من عبء احتواء التضخم سيقع على كاهل السياسة النقدية، ما يزيد من أهمية قرار البنك الأوروبي وتوقعاته المحدثة للنمو والأسعار.
بريطانيا وكندا بين تباطؤ النشاط وثبات الفائدة
في المملكة المتحدة، يترقب المستثمرون بيانات الناتج المحلي الإجمالي لشهر أبريل، وسط تقديرات ترجح حدوث انكماش طفيف نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وممارسة الأعمال. وتأتي هذه البيانات قبل اجتماع بنك إنجلترا، في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية وركود بعض القطاعات يفرضان معادلة صعبة على صانعي السياسة.
أما في كندا، فتتجه التوقعات إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، رغم دخول الاقتصاد في ركود تقني بعد انكماش الناتج المحلي في فصلين متتاليين. ويرى البنك المركزي الكندي أن التريث يمنحه فرصة لتقييم أثر التطورات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة أن التضخم ما زال ضمن نطاق يمكن التعامل معه مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
آسيا بين التجارة والذكاء الاصطناعي وضغوط الأسعار
في آسيا، تبرز اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند ضمن قائمة الاقتصادات التي ترسل هذا الأسبوع إشارات مهمة للأسواق. ففي اليابان، تترقب الأسواق قراءة معدلة للنمو في الربع الأول، وسط توقعات بتباطؤ الأداء بسبب ضعف الاستثمار الرأسمالي. كما يواصل بنك اليابان تنفيذ خطوات دعم لأسواق السندات طويلة الأجل، في محاولة للحفاظ على الاستقرار المالي في بيئة عالمية شديدة التقلب.
في الصين، تحظى بيانات التجارة والتضخم بمتابعة دقيقة، ليس فقط لأنها تكشف عن قوة الطلب الخارجي والداخلي، بل أيضاً لأنها تعكس تأثير التحول الصناعي والتقني في البلاد. ويرى محللون أن نمو الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي رفع الطلب على بعض المكونات الإلكترونية، وهو ما يمنح الصادرات الصينية دفعة إضافية في قطاعات مرتبطة بالتكنولوجيا.
أما كوريا الجنوبية فتواجه ضغوط تضخمية أعلى من السابق، ما يعزز التوقعات باتجاه أكثر تشدداً في السياسة النقدية. وفي الهند، يظل التضخم الغذائي والوقود من أبرز العوامل المؤثرة في المسار السعري، مع ترقب المستثمرين لأي قراءة قد تؤكد استمرار الضغوط على الأسر والقطاع الخاص.
النفط يعيد تشكيل حسابات الشركات والمصافي
على الجانب الصناعي، ألقت الاضطرابات في إمدادات النفط من الشرق الأوسط بظلال واضحة على قرارات شركات التكرير، خصوصاً في الصين. فقد أجلت شركات صينية مشروعين كبيرين كان من المفترض تشغيلهما هذا العام، بعدما زادت المخاوف بشأن تدفق الخام عبر مضيق هرمز وتراجعت الرؤية حول استقرار الإمدادات.
ويؤثر هذا التأجيل على طاقة تكريرية كبيرة، ما يعني احتمال انخفاض الطلب الصيني على النفط الخام في المدى القصير. كما تتعرض هوامش ربح المصافي لضغوط مزدوجة: ارتفاع أسعار الخام من جهة، وتقييد أسعار الوقود في بعض الأسواق من جهة أخرى، إضافة إلى تباطؤ استهلاك الوقود مع توسع استخدام السيارات الكهربائية.
وفي هذا السياق، انخفضت معدلات تشغيل المصافي الصينية إلى مستويات هي الأدنى منذ نحو عامين، ما يعكس تراجعاً في النشاط الصناعي المرتبط بالتكرير. وتظهر هذه التطورات كيف يمكن لصدمة جيوسياسية أن تعيد ترتيب قرارات الاستثمار والتشغيل في سلاسل طاقة مترابطة عالمياً.
مستثمرون يوازنون بين التضخم والنمو
الخلاصة التي تفرض نفسها على المستثمرين هذا الأسبوع هي أن التضخم لم يعد مسألة إحصائية بحتة، بل أصبح عاملاً يحدد مسار السياسة النقدية، وهوامش أرباح الشركات، واتجاهات عوائد السندات، وحتى شهية الأسواق الناشئة. ومع استمرار تقلب أسعار الطاقة، تصبح قدرة البنوك المركزية على التوازن بين كبح الأسعار وعدم خنق النمو أكثر صعوبة.
ومن المرجح أن تستمر الأسواق في التحرك السريع مع كل بيان اقتصادي جديد، سواء جاء من واشنطن أو فرانكفورت أو لندن أو طوكيو أو بكين. وفي بيئة كهذه، سيكون أي انحراف في بيانات التضخم أو النمو كافياً لتغيير التوقعات بشأن الفائدة، وإعادة تسعير الأصول المالية خلال وقت قصير.