الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 5 دقائق قراءة

التضخم الأميركي يرتفع إلى أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات مع قفزة في أسعار الطاقة

ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة خلال مايو إلى 4.2% على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادة حادة في أسعار الطاقة والبنزين، بينما بقي التضخم الأساسي أعلى من هدف الاحتياطي الفدرالي.

سجل التضخم في الولايات المتحدة تسارعاً جديداً خلال مايو، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية على المستهلكين رغم التوقعات السابقة بحدوث تباطؤ أوضح خلال النصف الأول من العام. وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنسبة 4.2% على أساس سنوي، مقارنة مع 3.8% في أبريل، وهو أعلى مستوى يُسجل خلال ثلاث سنوات.

وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الطاقة، التي قفزت 23.5% على أساس سنوي، بينما صعدت أسعار البنزين بنحو 40.5%. كما ارتفعت أسعار الغذاء للشهر الثاني على التوالي بنسبة 2.7% سنوياً، إلى جانب زيادات شملت الرعاية الصحية والعناية الشخصية وتذاكر الطيران والترفيه، ما يعكس اتساع نطاق الضغط على سلة المستهلك الأميركي.

التضخم الأساسي يبقى مرتفعاً

أما التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة لتقديم قراءة أكثر استقراراً للاتجاهات السعرية، فقد بلغ 2.9% في مايو، مرتفعاً من 2.8% في أبريل. ويُعد هذا المستوى مهماً لصناع السياسة النقدية لأنه يقدم مؤشراً أدق على مدى رسوخ الضغوط التضخمية في الاقتصاد، بعيداً عن التذبذبات الحادة في أسعار السلع الأساسية.

ويستهدف الاحتياطي الفدرالي على المدى الطويل معدل تضخم يقارب 2%، وهو المستوى الذي يرى أنه يحقق توازناً بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار. لكن استمرار القراءة أعلى من هذا الهدف يضع البنك المركزي تحت ضغط إضافي، خصوصاً مع اقتراب اجتماع لجنة تحديد أسعار الفائدة في الأسبوع المقبل.

الطاقة والسياسة الجيوسياسية وراء القفزة

أحد العوامل الرئيسية وراء الارتفاع الأخير تمثل في التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالمواجهة مع إيران، والتي تصاعدت منذ 28 فبراير وأدت إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة. وأدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز، إلى دفع الأسعار إلى مستويات أعلى، انعكست سريعاً على البيانات الأميركية.

هذا النوع من الصدمات يوضح مدى حساسية التضخم الأميركي تجاه أسواق الطاقة العالمية، إذ تنتقل الزيادة في أسعار النفط والغاز مباشرة تقريباً إلى تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ثم إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك في النهاية. وفي بيئة كهذه، تصبح السيطرة على التضخم أكثر تعقيداً حتى مع بقاء الطلب المحلي مستقراً نسبياً.

تأثير مباشر على الأسر والاقتصاد السياسي

ارتفاع تكاليف المعيشة يظل من أكثر الملفات حساسية لدى الأسر الأميركية، لا سيما مع اقتراب انتخابات نوفمبر، حيث تتداخل البيانات الاقتصادية مع الحسابات السياسية. وتُعد أسعار المواد الأساسية والوقود من أبرز القضايا التي تؤثر في المزاج العام، لأنها تمس الإنفاق اليومي بشكل مباشر وتضغط على القدرة الشرائية.

ومع أن أسعار الوقود أظهرت قدراً من الاستقرار مؤخراً، فإن هذا التطور قد لا ينعكس فوراً على المؤشرات الرسمية، بل يحتاج إلى وقت حتى يظهر بوضوح في قراءات التضخم اللاحقة. ومع ذلك، ترى بعض التقديرات أن بلوغ أسعار الطاقة ذروتها قد يمهد لتراجع تدريجي في النصف الثاني من العام إذا تحسنت الإمدادات وجرى فتح مضيق هرمز بشكل كامل.

توقعات بتراجع لاحق إذا هدأت أسواق الطاقة

تشير كاثي بوستيانسيتش، كبيرة الاقتصاديين في شركة نيشنوايد، إلى أن التضخم ربما يكون قد بلغ ذروته بالفعل، مرجحة أن يبدأ بالتراجع في النصف الثاني من العام إذا عادت الأوضاع في المضيق إلى طبيعتها. وتستند هذه القراءة إلى أن الجزء الأكبر من الصدمة الحالية يأتي من الطاقة، وهي عادة من العناصر الأكثر تقلباً في مؤشرات الأسعار الشهرية والسنوية.

لكن حتى مع هذا السيناريو الإيجابي المحتمل، يبقى الطريق إلى هدف 2% طويلاً نسبياً، لأن التضخم الأساسي ما زال أعلى من المستوى المرغوب. وهذا يعني أن صناع السياسة النقدية سيواصلون مراقبة التطورات عن كثب، خاصة أن أي صدمة جديدة في النفط أو الشحن أو سلاسل الإمداد قد تعيد الضغوط إلى الواجهة بسرعة.

ما الذي ينتظره السوق من الاحتياطي الفدرالي؟

تأتي هذه البيانات في توقيت حساس بالنسبة للأسواق المالية، التي تتابع بدقة أي إشارة من الاحتياطي الفدرالي بشأن مسار الفائدة. فالتضخم المرتفع عادة ما يقلل من هامش المناورة أمام البنك المركزي، ويحد من قدرته على خفض الفائدة بسرعة، خصوصاً إذا ظلت أسعار الخدمات والطاقة متماسكة.

وبينما يأمل المستهلكون في تخفيف كلفة المعيشة، يوازن الفدرالي بين خطر التسرع في التيسير النقدي وخطر إبقاء السياسة مشددة لفترة أطول من اللازم. وفي كلتا الحالتين، تبقى بيانات الأسعار المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه، سواء من حيث وتيرة التضخم أو التوقعات المرتبطة بالاقتصاد الأميركي خلال النصف الثاني من العام.