موجة تدخلات واسعة في أسواق الطاقة
دفعت الضغوط الجيوسياسية وقلق الأسواق من تعطل إمدادات النفط عبر الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، عدداً كبيراً من الحكومات إلى التحرك بسرعة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والطاقة. وتكشف الإجراءات المعلنة في دول متقدمة ونامية على حد سواء عن مرحلة جديدة من إدارة الأزمات، حيث لم يعد الهدف محصوراً في حماية المستهلك فقط، بل يمتد إلى الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد، ومنع انتقال الصدمة إلى التضخم، ودعم الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وتنوعت أدوات التدخل بين خفض الضرائب، وتوسيع الدعم، والسحب من المخزونات الاستراتيجية، وفرض قيود على الاستهلاك أو الصادرات، إلى جانب برامج موجهة لحماية القطاعات الأكثر حساسية مثل النقل والزراعة والصناعة. هذا المشهد يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الحكومات في موازنة فاتورة الدعم مع متطلبات الانضباط المالي.
أوروبا تختبر مزيجاً من الدعم والضرائب
في القارة الأوروبية، لجأت عدة دول إلى إجراءات مباشرة لتخفيف العبء عن الأسر والشركات. النمسا أقرت آلية لكبح أسعار الوقود بهدف الحد من التضخم، ثم بدأت تقليصها لاحقاً مع تغير ظروف السوق. أما إيطاليا فمددت خفض الرسوم الانتقائية على الوقود، مع تركيز أوضح على الديزل بسبب ارتباطه بالنقل والإمداد.
وفي هولندا، أعلنت الحكومة إعفاءات ضريبية مؤقتة للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام حزمة إضافية إذا تفاقمت الأزمة. أما رومانيا فخفضت الضريبة الانتقائية على الديزل، في حين اتجهت صربيا إلى خفض الرسوم المفروضة على النفط الخام بشكل كبير، بالتوازي مع تمديد حظر تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية.
وفي إسبانيا، طُرحت حزمة بقيمة 5 مليارات يورو لتقليل الأثر الاقتصادي للنزاع في الشرق الأوسط على السوق المحلية. أما اليونان، فأعلنت دعماً للوقود والأسمدة وخصومات على تذاكر العبارات، ثم أضافت حزمة أخرى موجهة للأسر والمزارعين مستفيدة من فائض موازني أكبر من المتوقع. كما اتجهت السويد إلى خفض مؤقت للضرائب على الوقود، وإلى تقليص كلفة النقل العام، مع تخصيص دعم لشركات الطيران وسط مخاوف من نقص وقود الطائرات.
وفي بولندا، مددت السلطات إجراءات السيطرة على أسعار الوقود، ودرست فرض ضريبة استثنائية على أرباح شركات النفط والغاز للمساعدة في تمويل تخفيضات ضريبية للمستهلكين. أما الاتحاد الأوروبي، فسمح للدول الأعضاء بزيادة الدعم للشركات المتضررة، ودرس آليات لضمان مخزونات كافية من وقود الطائرات، إلى جانب تنسيق إعادة ملء مرافق تخزين الغاز خلال الصيف.
آسيا بين ترشيد الاستهلاك وتأمين الإمدادات
في آسيا، برزت سياسات أكثر تنوعاً، من ضبط الاستهلاك المحلي إلى رفع المخزونات وتغيير خلطات الوقود. اليابان فتحت مخزوناتها النفطية، وقدمت دعماً للبنزين، كما خففت القيود على توليد الكهرباء بالفحم ورفعت تشغيل المحطات النووية إلى مستويات أعلى. وبدلاً من الاعتماد المفرط على خام برنت في حسابات الدعم، عادت طوكيو إلى خام دبي باعتباره أكثر استقراراً نسبياً في المرحلة الحالية.
في الهند، دعت الحكومة إلى ترشيد استهلاك الوقود وإحياء العمل من المنزل لتقليص الطلب على البنزين والديزل، كما رفعت الضريبة الاستثنائية على صادرات الديزل ووقود الطائرات لضمان توافر المعروض محلياً. وفي إندونيسيا، جرى تقييد مبيعات الوقود وتطبيق العمل من المنزل لموظفي الدولة، مع التحضير لتطبيق برنامج ديزل حيوي أعلى مزجاً بزيت النخيل بهدف تقليل الاعتماد على الواردات.
أما ماليزيا فأكدت أن إمداداتها تكفي حتى نهاية يوليو، لكنها رفعت مخصصات دعم البنزين بشكل كبير للحفاظ على السعر الثابت، وطلبت من الوزارات خفض إنفاقها التشغيلي. وفي فيتنام، زادت واردات المنتجات النفطية المكررة لتعويض ضعف الإمدادات إلى المصافي المحلية، مع تسريع التحول إلى البنزين الممزوج بالإيثانول.
كما اتجهت كوريا الجنوبية إلى تخفيف القيود على إنتاج الكهرباء من الفحم ورفع تشغيل المفاعلات النووية، بينما فرضت حظراً على صادرات النافثا لحماية السوق الداخلية. وفي الفلبين، علقت الجهات التنظيمية سوق الكهرباء الفورية بالجملة، وأطلقت صندوق طوارئ لدعم أمن الوقود، في وقت تعمل فيه البلاد على خفض فاتورة الكهرباء وتوسيع قدراتها على تأمين الإمدادات.
الاقتصادات الناشئة تتحرك تحت ضغط التضخم
في الاقتصادات الناشئة، كانت الاستجابة أكثر ارتباطاً بقدرة الحكومات على حماية القوة الشرائية ومنع تضخم الوقود من الانتقال إلى باقي الأسعار. بنغلاديش رفعت أسعار الوقود للمستهلكين للمرة الثانية خلال أسابيع، بينما تسعى إلى تمويل خارجي بمليارات الدولارات لتأمين واردات النفط والغاز الطبيعي المسال. ونتيجة ذلك، يزداد الضغط على اقتصاد يعتمد بشدة على الواردات.
في سريلانكا، رفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي في إشارة واضحة إلى أن التضخم الناجم عن كلفة الطاقة لم يعد قابلاً للاحتواء بسهولة. كما فرضت الحكومة تقنيناً للوقود وتجري محادثات لشراء النفط الخام والمنتجات المكررة من مصادر بديلة. أما باكستان فتعمل على تعزيز قدراتها التخزينية للنفط الخام والمنتجات المكررة باعتبار أمن الطاقة أولوية مباشرة.
وفي أستراليا، أطلقت الحكومة كميات من البنزين والديزل من الاحتياطيات المحلية لتخفيف النقص الذي أثر على الأقاليم الريفية وقطاعات التعدين والزراعة. أما الأرجنتين فرفعت الضرائب على الوقود جزئياً وأجلت زيادات أخرى، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الإيرادات الحكومية وتخفيف العبء على السوق.
وفي أفريقيا، خفضت ناميبيا الرسوم على الوقود مؤقتاً، بينما رفعت إثيوبيا دعم الوقود. أما كينيا فأكدت أنها ستخفض سعر الديزل استجابة للضغوط الشعبية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة. وفي نيجيريا، عززت مصفاة دانغوتي صادرات البنزين وسماد اليوريا إلى دول أفريقية متضررة من اضطرابات الإمداد.
إجراءات مرتبطة بسلاسل الإمداد والغذاء
لم يقتصر التدخل الحكومي على الوقود وحده، بل امتد إلى مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي. الصين شددت القيود على صادرات بعض منتجات الأسمدة ثم أصدرت حصصاً لتصدير سماد اليوريا، في محاولة لموازنة الأمن المحلي مع استقرار الأسعار العالمية. كما تعهدت القيادة الصينية بتعزيز أمن الطاقة والاعتماد على الذات، في إشارة إلى أن الطاقة باتت جزءاً من المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية الأوسع.
مصر بدورها وقعت اتفاق تمويل بقيمة 1.5 مليار دولار مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة لدعم الأمن الغذائي وأمن الطاقة، بالتوازي مع إبطاء تنفيذ بعض المشروعات الحكومية عالية الاستهلاك للوقود وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية. كما وضعت سقفاً لسعر الخبز غير المدعوم في المخابز الخاصة، في خطوة تعكس الترابط بين كلفة الطاقة وأسعار الغذاء.
وفي تايلاند، شددت السلطات القيود على صادرات زيت النخيل الخام ووضعت أسعاراً لزيت النخيل المعبأ، كما درست إجراءات لدعم الوقود والأسمدة والمزارعين. أما البرازيل فأعلنت دعماً للديزل وغاز البترول المسال، إلى جانب خفض الضرائب على وقود الطائرات والديزل الحيوي، في إطار حماية قطاع النقل وسلاسل الإمداد.
ما الذي تكشفه هذه السياسات؟
المشترك بين هذه الإجراءات أن الحكومات لم تعد تتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره أزمة سوق فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فكل زيادة في تكلفة النفط تنتقل سريعاً إلى النقل والإنتاج والغذاء والكهرباء، ثم تعود لتضغط على التضخم والميزانيات الأسرية. لهذا اتجهت الدول إلى مزيج من الحلول السريعة: دعم موجه، تخفيف ضريبي، تحسين المخزونات، وترشيد الاستهلاك.
لكن هذه المقاربة ليست بلا تكلفة. فرفع الدعم أو توسيعه يضغط على الموازنات العامة، بينما يؤدي خفض الضرائب إلى تقليص الإيرادات، وقد لا يكون مستداماً إذا طال أمد الأزمة. كما أن بعض الإجراءات، مثل تقييد الاستهلاك أو الصادرات، قد تساعد في الأجل القصير لكنها لا تعالج أصل المشكلة المرتبط بتقلبات الإمداد والأسعار العالمية.
لذلك، فإن موجة التحركات الحالية توضح أن أمن الطاقة عاد إلى مركز السياسات الاقتصادية. ومع استمرار الغموض الجيوسياسي، ستظل قدرة الحكومات على إدارة الأسعار من دون إشعال موجة تضخمية جديدة هي الاختبار الأصعب في الأشهر المقبلة.