مكاسب متواصلة في سوق الدَّين الأوروبي
واصلت السندات الحكومية في منطقة اليورو تسجيل مكاسبها لليوم الخامس على التوالي، في واحدة من أطول موجات الصعود منذ فبراير الماضي، مع تعزز قناعة المستثمرين بأن الضغوط التضخمية قد تتراجع خلال الفترة المقبلة. وجاءت الحركة في السوق مع تزايد الحذر قبيل أول اجتماع لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، في وقت يراقب فيه المتعاملون بدقة اتجاه السياسة النقدية في أوروبا والولايات المتحدة.
هذا الأداء يعكس تحولاً واضحاً في مزاج الأسواق، إذ بدأ المستثمرون يعيدون تسعير توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة والعوائد السيادية، بعد سلسلة من البيانات والأحداث التي خففت الضغوط على الأصول الآمنة. ومع استمرار صعود الأسعار، تراجعت العوائد التي تتحرك عكسياً مع أداء السندات، ما منح السوق دفعة إضافية وسط ارتفاع شهية المخاطرة.
هبوط النفط يدعم الأصول الحساسة للفائدة
ساهم التراجع الحاد في أسعار النفط دون مستوى 80 دولاراً للبرميل في تعزيز المكاسب، بعدما هبط الخام بنحو 10 في المائة منذ يوم الاثنين. وجاء ذلك عقب إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق إطار لوقف إطلاق النار، مع توقع توقيعه رسمياً في جنيف يوم الجمعة. وقد خفف هذا التطور من مخاوف السوق بشأن الإمدادات، ودفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة.
ومع انخفاض النفط، تحسنت شهية المخاطرة في الأسواق العالمية، وهو ما انعكس إيجاباً على مجموعة من الأصول الحساسة لأسعار الفائدة، بما في ذلك الأسهم والذهب. وفي المقابل، تعرضت السندات الحكومية لضغوط أقل من المعتاد، لأن تراجع تكاليف الطاقة عادة ما يخفف التوقعات بارتفاع الأسعار، ويزيد الإقبال على أدوات الدخل الثابت.
العوائد الألمانية تواصل الانخفاض من مستوياتها المرتفعة
انخفض العائد على السندات الألمانية القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار نقطتي أساس إلى 2.921 في المائة، ليواصل الابتعاد عن أعلى مستوى له في 15 عاماً والمسجل قبل نحو شهر عند 3.2 في المائة. ورغم هذا التراجع، ما تزال العوائد أعلى بنحو 30 نقطة أساس مقارنة بمستويات أواخر فبراير، ما يعكس بقاء جزء من التشدد في تسعير السوق حيال التضخم والفائدة.
أما السندات الألمانية لأجل عامين، فقد تراجع عائدها بمقدار 2.6 نقطة أساس إلى 2.56 في المائة، في إشارة إلى أن السوق ما زالت تتابع بصورة دقيقة المسار القريب للسياسة النقدية. ويؤشر ذلك إلى أن المستثمرين لا يزالون يرون فرصة لقيام البنك المركزي الأوروبي بخطوة إضافية هذا العام، رغم أن بعض التوقعات السابقة بشأن زيادات متتالية خلال 2026 تراجعت باعتبارها مبالغاً فيها.
البنك المركزي الأوروبي يواصل التشدد الحذر
لا تزال الأسواق تسعّر احتمال رفع جديد للفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي خلال العام الحالي، بعد الزيادة الأخيرة البالغة ربع نقطة مئوية في الأسبوع الماضي. وفي حين كانت الرهانات قبل أسبوع تشير إلى ثلاث زيادات إضافية خلال 2026، فإن جزءاً من هذه التوقعات خضع للمراجعة مع تحسن النظرة إلى التضخم وتزايد الحديث عن بلوغ الفائدة مستويات أكثر تقييداً.
وفي هذا السياق، شدد كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، خلال مؤتمر اقتصادي في لندن، على أن المؤسسة ستواصل نهجها الاستباقي في مواجهة التضخم المرتفع. وتأتي هذه الرسالة في وقت يسعى فيه صانعو السياسة النقدية إلى الموازنة بين كبح الأسعار وعدم دفع الاقتصاد إلى تباطؤ أعمق، خصوصاً مع تراجع بعض مؤشرات النشاط في المنطقة.
وقال محللون في السوق إن رسائل البنك المركزي الأوروبي ما زالت تميل إلى الحذر، حتى مع الانخفاض الأخير في النفط. فالمؤسسة تبدو حريصة على عدم إعلان نهاية مبكرة لدورة التشديد، خصوصاً أن بيانات التضخم ما زالت تحتاج إلى مزيد من التأكيد قبل الحديث عن تحسن مستدام.
بيانات التضخم المقبلة قد تحدد اتجاه السوق
تترقب الأسواق صدور بيانات التضخم في منطقة اليورو لشهر مايو، وسط توقعات بأن يبقى التضخم الأساسي عند 2.5 في المائة، وهو المستوى نفسه المسجل في أبريل. وقد يمنح هذا الاستقرار النسبي المستثمرين إشارات أوضح بشأن ما إذا كان تراجع أسعار الطاقة سينتقل سريعاً إلى مؤشرات الأسعار الأساسية أم لا.
وفي حال أظهرت البيانات المقبلة تباطؤاً أو ثباتاً دون المفاجآت الصعودية، فقد يزداد إقبال المستثمرين على السندات الحكومية، مع رهانات أكبر على توقف دورة الرفع قريباً. أما إذا بقي التضخم مرناً على نحو يفوق التوقعات، فقد تعود العوائد للصعود من جديد، خاصة في آجال الاستحقاق القصيرة التي تتأثر مباشرة بمسار الفائدة.
السوق الإيطالية تستفيد من هدوء العائدات
في أسواق الديون السيادية، تراجع العائد على السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 2.74 في المائة، وهو أدنى مستوى له في نحو ثلاثة أشهر. وأبقى هذا الهبوط الفارق بين العوائد الإيطالية والألمانية دون 70 نقطة أساس بقليل، في إشارة إلى تحسن نسبي في تقييم المخاطر داخل منطقة اليورو.
ويعكس تضييق الفجوة بين السندات الإيطالية والألمانية حالة من الاستقرار النسبي في أسواق الدين الأوروبية، لا سيما مع تراجع التوترات المرتبطة بالطاقة. كما أن استمرار تدفق السيولة نحو الأدوات ذات الجودة الائتمانية الأعلى يدعم نظرة السوق إلى أن جزءاً من المخاطر التضخمية بدأ يتراجع، ولو بشكل تدريجي.
قراءة أوسع لمزاج المستثمرين
تشير التطورات الأخيرة إلى أن أسواق السندات الأوروبية تتحرك حالياً بين عاملين متناقضين: من جهة، تراجع أسعار النفط وما يرافقه من تهدئة لمخاوف التضخم، ومن جهة أخرى، استمرار البنوك المركزية في إرسال إشارات حذرة بشأن الفائدة. وبين هذين المسارين، تبدو السوق أكثر ميلاً إلى اختبار سيناريوهات التباطؤ التدريجي في الأسعار، مع الإبقاء على قدر من التحوط تجاه أي مفاجآت اقتصادية أو جيوسياسية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن استمرار موجة الصعود الحالية في السندات سيعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: اتجاه الطاقة، ونتائج بيانات التضخم المقبلة، ومدى تشدد الخطاب النقدي من كل من البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي. وإذا اجتمعت هذه العوامل في اتجاه واحد، فقد تشهد السندات الأوروبية امتداداً إضافياً للمكاسب خلال الجلسات المقبلة.