تعافٍ محدود لأسعار الذهب
ارتفعت أسعار الذهب في بداية تعاملات الأسبوع لتعوض جزءاً من خسائرها الأخيرة، بعد أن هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من أسبوع خلال الجلسة السابقة. وجاء هذا التحسن في وقت بدت فيه الأسواق أكثر ارتياحاً بعد مؤشرات على تقدم في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما خفف الطلب على الأصول الدفاعية وغيّر اتجاهات التداول مؤقتاً.
وسجل الذهب في التعاملات الفورية زيادة بلغت 0.9 في المائة ليصل إلى 4197.41 دولار للأوقية، بعد هبوط سابق إلى أدنى مستوى منذ 11 يونيو. أما العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس فانخفضت 0.7 في المائة إلى 4215.90 دولار للأوقية، في إشارة إلى بقاء السوق في حالة تذبذب بين عوامل الدعم والضغط.
ويعكس هذا الأداء محاولة المعدن الأصفر التقاط أنفاسه بعد موجة بيع مرتبطة بتحسن شهية المخاطرة في أسواق المال العالمية، وليس تحولاً كاملاً في المزاج الاستثماري. فالمستثمرون ما زالوا يتعاملون بحذر مع التطورات السياسية والاقتصادية التي تؤثر في المعادن الثمينة، خصوصاً مع استمرار التقلبات في أسعار الطاقة وتوقعات الفائدة الأميركية.
المحادثات الدبلوماسية تدعم الأصول عالية المخاطر
التحسن النسبي في الذهب جاء بعد إعلان مسؤولين إيرانيين وأميركيين إحراز تقدم في الجولة الأولى من المحادثات التي استضافتها سويسرا. كما أفاد بيان مشترك صادر عن قطر وباكستان، اللتين لعبتا دور الوساطة، بأن الطرفين اتفقا على خريطة طريق تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.
هذا التطور خفف من حدة المخاوف التي سادت الأسواق في وقت سابق، عندما بدت احتمالات التصعيد السياسي والعسكري أعلى. ومع تراجع تلك المخاوف، عاد بعض المستثمرين إلى الأصول الأكثر مخاطرة، وهو ما انعكس مباشرة على حركة السلع والأسهم والعملة الأميركية.
وقال محللون إن الأسواق تتابع هذه التطورات بوصفها عاملاً مؤثراً في أسعار النفط أولاً، ثم في بقية الأصول المالية تبعاً لذلك. فالحديث عن تقدم دبلوماسي يقلص علاوة المخاطر المرتبطة بالإمدادات والطاقة، ويؤدي عادة إلى تهدئة الطلب على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً.
النفط يضغط على الذهب عبر قنوات التضخم
تراجعت أسعار خام برنت بأكثر من 1 في المائة بعد الأنباء الإيجابية بشأن المحادثات، وهو ما ساعد على تخفيف المخاوف المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للذهب، لأن صعود النفط غالباً ما يرفع توقعات التضخم، ويزيد في المقابل احتمالات تشديد السياسة النقدية، الأمر الذي يضغط على المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً.
وعندما تنخفض أسعار النفط، تتراجع عادة الضغوط التضخمية المحتملة، لكن ذلك لا يكون كافياً دائماً لدعم الذهب إذا كانت الأسواق تتوقع بالفعل استمرار الفائدة المرتفعة. وفي الحالة الحالية، جاءت التهدئة في النفط لتدعم الذهب نسبياً، لكنها لم تكن قوية بما يكفي لدفعه إلى موجة صعود واسعة.
كما أن هبوط النفط خفف جزءاً من القلق المرتبط بتكاليف النقل والطاقة والإنتاج في الأسواق العالمية، ما عزز الميل إلى المخاطرة في أسواق الأسهم الآسيوية وعقود الأسهم الأميركية والأوروبية الآجلة. وبذلك، تحولت المعادلة من طلب قوي على الأمان إلى بحث انتقائي عن الفرص، وهو ما يبقي المكاسب في الذهب محدودة.
الفائدة الأميركية تظل العامل الأبرز
رغم التحسن الذي شهده المعدن الأصفر، فإن توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة بقيت العامل الأكثر تأثيراً في سقف الأسعار. فقد ركزت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، على مخاطر التضخم، من دون تقديم إشارات واضحة إلى تراجع قريب في نزعة التشديد.
كما أظهر توزيع المواقف داخل الاحتياطي الفيدرالي أن تسعة من أصل 19 مسؤولاً يرون أن رفع أسعار الفائدة سيكون ضرورياً خلال العام الحالي. وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن الأسواق باتت تسعّر احتمالاً يبلغ 89 في المائة لرفع الفائدة في ديسمبر، مقارنة بـ61 في المائة قبل الاجتماع الأخير للبنك المركزي الأميركي.
هذه التوقعات تعني أن تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب ما زالت مرتفعة نسبياً، لأن المعدن الأصفر لا يحقق عائداً دورياً مثل السندات أو بعض الأدوات النقدية. لذلك، فإن أي ارتفاع جديد في الأسعار يحتاج غالباً إلى مزيج من التوترات الجيوسياسية الواضحة، وتراجع توقعات الفائدة، وضعف الدولار في الوقت نفسه.
الأسواق الأوسع بين المخاطرة والحذر
لم يقتصر أثر التقدم في المحادثات على الذهب والنفط، بل امتد إلى أسواق الأسهم الآسيوية التي سجلت مكاسب ملحوظة مع عودة شهية المستثمرين إلى الأصول عالية المخاطر. وارتفع مؤشر «نيكي» الياباني، كما واصلت الأسهم الكورية أداءها القوي، في حين سجل مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان زيادة جديدة.
وفي أسواق العملات، حافظ الدولار على تماسكه أمام الين، بينما بقي اليورو تحت الضغط، في دلالة على أن المستثمرين ما زالوا يوازنون بين أثر السياسة النقدية الأميركية وتطورات المشهد الجيوسياسي. أما في الولايات المتحدة، فقد قلصت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم خسائرها، ما يعكس تراجع الطلب على التحوط الشديد.
هذا التداخل بين أسواق السلع والعملات والأسهم يوضح أن الذهب لم يعد يتحرك فقط على أساس عامل واحد، بل يتأثر بمجموعة متشابكة من المتغيرات، تشمل التضخم، وأسعار الطاقة، والتوترات السياسية، وتوقعات البنوك المركزية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح التحركات السريعة انعكاساً للمزاج العام أكثر من كونها اتجاهاً طويل الأجل.
بقية المعادن النفيسة تسجل ارتفاعات متفاوتة
إلى جانب الذهب، شهدت المعادن النفيسة الأخرى أداءً إيجابياً في التعاملات الفورية. فقد ارتفعت الفضة بنسبة 1.8 في المائة إلى 66.10 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 0.2 في المائة إلى 1667.97 دولار، بينما زاد البلاديوم 1 في المائة إلى 1270.41 دولار للأوقية.
ويشير هذا التحرك الجماعي إلى أن قطاع المعادن النفيسة استفاد جزئياً من التهدئة في أسواق النفط والقلق السياسي، حتى وإن بقيت وتيرة الصعود متفاوتة بين معدن وآخر. كما أن استمرار التوقعات المرتبطة بالفائدة الأميركية يفرض على هذه الأسواق قدراً من الحذر، خصوصاً مع اقتراب صدور بيانات التضخم الأساسية ومتابعة تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
وبينما يترقب المستثمرون الخطوات التالية في المحادثات الأميركية الإيرانية، يبقى الذهب في موقع حساس بين عاملين متناقضين: دعم مؤقت من هبوط التوترات الجيوسياسية، وضغط مستمر من السياسة النقدية الأميركية المتشددة. لذلك، يبدو أن المسار القريب للمعدن الأصفر سيظل مرتبطاً بسرعة تطور الملف الدبلوماسي ومدى صلابة بيانات التضخم المقبلة.