الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الصين تقلص واردات النفط الخام وتتجه إلى السحب من المخزونات مع تراجع الطلب على الوقود

تواجه مصافي التكرير الصينية ضغوطاً متزايدة مع ضعف الطلب المحلي على الوقود وتراجع الواردات، ما يدفع بكين إلى الاعتماد أكثر على المخزونات التجارية القياسية للحفاظ على الإمدادات وتقليص خسائر التكرير.

تراجع الواردات يضغط على سوق التكرير

تتجه الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، إلى خفض وارداتها البحرية من الخام بشكل ملحوظ، بينما تعتمد مصافيها على السحب من المخزونات التجارية التي راكمتها خلال الأشهر الماضية. ويأتي هذا التحول في وقت يضعف فيه الطلب المحلي على الوقود، وتضيق معه هوامش الربح في قطاع التكرير، ما يدفع الشركات إلى تقليص التشغيل بدلاً من مواصلة الشراء بأسعار مرتفعة.

وبحسب تقديرات صادرة عن شركات تتبع حركة الشحن، هبطت الواردات الصينية المنقولة بحراً في مايو إلى مستويات قريبة من أدنى نقطة لها منذ نحو عقد. هذا التراجع لا يعكس فقط ضعف الطلب النهائي على الوقود، بل يعكس أيضاً رغبة المصافي في تجنب خسائر إضافية في بيئة سوقية متقلبة، خصوصاً مع استمرار الضغوط على الأسعار العالمية.

كما ساهم انخفاض المشتريات الصينية في كبح جزء من زخم أسعار النفط العالمية، رغم استمرار التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط وما يرتبط به من مخاطر على الإمدادات. ويشير هذا إلى أن العوامل الأساسية المتعلقة بالطلب لا تزال قادرة على موازنة تأثيرات المخاطر السياسية، ولو بصورة مؤقتة.

المخزونات التجارية تتحول إلى صمام أمان

في مواجهة انخفاض الإمدادات الخارجية، لجأت المصافي خلال الأسابيع الأخيرة إلى استهلاك جزء كبير من مخزوناتها التجارية. وتفيد بيانات تتبع السفن والتجارة بأن السحب من المخزونات جرى بمعدلات مرتفعة، مستفيداً من تراكم كميات ضخمة وصلت إلى مستويات قياسية في وقت سابق من العام.

هذا النهج يمنح القطاع فترة راحة قصيرة، إذ يسمح للمصافي بالحفاظ على التشغيل الأساسي من دون الاضطرار إلى العودة السريعة إلى السوق الدولية. لكن هذا الهامش ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية، لأن استمرار السحب بوتيرة كبيرة سيقلص الفائض المتاح تدريجياً، ما قد يعيد الضغوط على الإمدادات لاحقاً إذا لم يتحسن الطلب أو ترتفع الواردات.

وتشير تقديرات محللين إلى أن كميات المخزون التي جُمعت منذ بداية 2025 كافية لتغطية احتياجات المصافي لعدة أشهر إضافية، حتى لو استمرت التخفيضات في الإنتاج. وهذا يفسر لماذا تفضل بكين حالياً إدارة المخزون على الدخول بقوة في سوق شراء أقل جاذبية.

سياسة الطاقة في بكين بين الأسعار والأمن

تعكس التحركات الحالية مزيجاً من اعتبارات الأمن الطاقي وضبط التكلفة. فقد اتخذت الصين خطوات متعددة خلال الفترة الماضية لتقليل تعرضها لأسعار النفط المرتفعة في الشرق الأوسط، من بينها زيادة الاستكشاف المحلي، وتشجيع استيراد النفط الروسي والإيراني بأسعار خصم، إلى جانب ضبط صادرات بعض المنتجات النفطية والوقود.

هذه السياسة تهدف إلى حماية الاقتصاد الصناعي الكبير من صدمات الأسعار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار محطات التكرير وسلاسل التوريد الداخلية. كما أن بكين تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين تأمين الإمدادات وتفادي تكدس المنتجات في السوق المحلية في وقت ينمو فيه الطلب ببطء.

ويرى مراقبون أن المرونة في إدارة المخزون تمنح الصين ورقة تفاوض إضافية في سوق النفط العالمية، لأنها ليست مضطرة دائماً إلى الشراء الفوري عند كل موجة ارتفاع. لكن هذه المرونة مرتبطة أيضاً بقدرة المصافي على تحمل فترات التشغيل المنخفض، وهو ما يصبح أكثر تعقيداً عندما تتراجع هوامش التكرير إلى مستويات ضيقة جداً.

ضعف الطلب على الوقود يكشف تغيرات هيكلية

المشكلة الأعمق لا تقتصر على هبوط الواردات، بل تتصل بضعف الطلب على البنزين والديزل داخل السوق الصينية نفسها. وقد رصدت بيانات القطاع ارتفاعاً في مخزونات المنتجات المكررة، بما يعكس تباطؤ الاستهلاك الفعلي في عدد من الاستخدامات المرتبطة بالنقل والصناعة.

ويبدو أن التحول المتسارع نحو المركبات الكهربائية يلعب دوراً أكبر مما كان مقدراً سابقاً في تقليص استهلاك البنزين. كما أن تغير سلوك المستهلكين، مدفوعاً بأسعار الوقود المرتفعة وتوسع استخدام النقل العام، أسهم في تخفيف النمو في الطلب على المدى الأطول.

هذا التحول لا يؤثر على المصافي فقط، بل يعيد تشكيل حسابات الاستثمار في قطاع الطاقة الصيني كله. فكلما ضعف نمو الطلب المحلي، زادت الحاجة إلى إدارة أكثر حذراً للطاقة التخزينية والإنتاجية، وإلى مراجعة خطط التوسع التي كانت تقوم سابقاً على افتراضات أعلى لنمو الاستهلاك.

الهوامش السلبية تدفع المصافي إلى تقليص الإنتاج

المؤشر الأكثر حساسية حالياً هو انخفاض هوامش التكرير. فالمصافي الصينية تواجه خسائر في معالجة الخام، وتختلف قيمة هذه الخسائر بحسب نوع النفط المستخدم وطبيعة المنتجات النهائية المطلوبة في السوق. وفي ظل تسعير رسمي محلي يحمي المستهلك من الارتفاعات العالمية، تصبح قدرة المصافي على تمرير التكاليف محدودة للغاية.

لهذا السبب، تبقي شركات التكرير الكبرى مستويات الإنتاج عند حدود منخفضة، مع استمرار التوقعات بأن يبقى هذا النهج قائماً خلال الشهر الحالي على الأقل. كما أن المصافي الأصغر، التي تعمل بهوامش أضيق وقدرة مالية أقل، تبدو أكثر عرضة لخفض التشغيل أو التوقف المؤقت إذا استنفدت مخزوناتها الحالية.

ويعني ذلك أن السوق الصينية تدخل فترة إعادة توازن دقيقة: واردات أقل، تشغيل أضعف، وسحب تدريجي من المخزون. وإذا استمرت هذه الظروف، فقد تصبح الصين أقل حضوراً في جانب الطلب الفوري على الخام، حتى وهي تبقى لاعباً رئيسياً على المدى المتوسط والطويل.

ما الذي يعنيه ذلك لسوق النفط العالمية؟

بالنسبة للأسواق الدولية، يحمل هذا التطور أكثر من رسالة. أولاً، إن ضعف الطلب الصيني يحد من قدرة الأسعار على الصعود الحاد، حتى في أوقات التوتر الجيوسياسي. وثانياً، فإن استخدام بكين للمخزون بدلاً من الاستيراد الإضافي يخفف الضغط على الشحنات الفورية من النفط الخام.

لكن التأثير قد لا يكون دائماً في الاتجاه نفسه. فإذا انخفضت المخزونات إلى مستويات مريحة أقل، أو إذا تحسن الطلب المحلي لاحقاً مع استقرار الاقتصاد، فقد تعود الصين إلى السوق بقوة أكبر، وهو ما قد يعيد رفع الطلب العالمي على الخام بسرعة. وبالتالي فإن ما يجري الآن هو بالأساس مرحلة تأجيل للشراء وليس إنهاءً له.

في المحصلة، تعكس الحالة الصينية مزيجاً من الحذر المالي، وضعف الاستهلاك، وإدارة معقدة للأمن الطاقي. وبينما تكسب المصافي بعض الوقت عبر المخزونات، تظل الصورة الأكبر مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد الصيني على استعادة زخم الطلب على الوقود خلال الأشهر المقبلة.