افتتحت الأسهم الأوروبية تعاملات الجمعة على ارتفاع قوي، مدفوعة بتراجع المخاوف من اتساع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وبانخفاض أسعار النفط بأكثر من 2 في المائة. وجاءت هذه الحركة لتعكس تحسن شهية المستثمرين للمخاطر، بعد أيام من التقلبات التي أربكت الأسواق العالمية وأثقلت كاهل قطاعات مرتبطة بالطاقة والنقل.
وصعد مؤشر ستوكس 600 الأوروبي 1.2 في المائة ليبلغ 628.81 نقطة في بداية التداولات، متجهاً نحو تسجيل مكسب أسبوعي يقارب 1 في المائة. وشملت الارتفاعات معظم القطاعات تقريباً، فيما بقي قطاع الطاقة الاستثناء الأبرز بسبب هبوط الخام وتراجع توقعات استمرار الضغوط الجيوسياسية على الإمدادات.
وجاء التحسن في المزاج الاستثماري بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء خطط كانت مطروحة لشن ضربة على إيران، وهو ما خفف من المخاوف المرتبطة بأي مواجهة مباشرة قد تهدد تدفقات النفط والشحن في المنطقة. كما عززت تصريحات لاحقة إشارات الأسواق إلى أن احتمال التوصل إلى تفاهم سياسي أو اتفاق يخفف حدة التوتر لا يزال قائماً، رغم استمرار الغموض.
السفر والبنوك يقودان الارتفاعات
قاد قطاع السفر والترفيه المكاسب في أوروبا بارتفاع بلغ 3.4 في المائة، مستفيداً من تراجع أسعار الوقود وتخفف المخاوف من اضطراب الرحلات الجوية أو ارتفاع تكاليف التشغيل. وارتفع سهم لوفتهانزا 4.6 في المائة، بينما صعد سهم الخطوط الجوية الفرنسية 5.7 في المائة، في إشارة إلى حساسية شركات الطيران الأوروبية لتحركات النفط وتبدل المخاطر الجيوسياسية.
كما استفادت البنوك الأوروبية من موجة التفاؤل، إذ ارتفع القطاع 2.3 في المائة، مدعوماً بمكاسب في أسهم باركليز وستاندرد تشارترد تجاوزت 2 في المائة لكل منهما. ويعكس أداء البنوك استمرار الرهان على صلابة القطاع المالي رغم تشديد السياسات النقدية في أوروبا، مع بقاء المستثمرين يقيّمون أثر أسعار الفائدة المرتفعة على النمو والائتمان.
وفي قطاع التكنولوجيا، ارتفعت أسهم عدد من الشركات المرتبطة بمعدات الذكاء الاصطناعي، من بينها ليغراند وشنايدر إلكتريك، بنسبة 1 في المائة و1.4 في المائة على التوالي. ويظهر هذا الأداء أن أسهم البنية التحتية الرقمية ما زالت تحظى باهتمام المستثمرين، خاصة مع تزايد الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والطاقة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تحركات فردية مدفوعة بأخبار الشركات
شهدت بعض الأسهم الأوروبية تحركات بارزة بفعل أخبار خاصة بالشركات. فقد ارتفع سهم نوفو نورديسك 0.4 في المائة بعد موافقة الجهة التنظيمية البريطانية على حبوب إنقاص الوزن التي تنتجها الشركة، لتصبح بريطانيا أول سوق أوروبية تتيح هذا العلاج الفموي. وتكتسب هذه الخطوة أهمية تجارية واضحة، لأن سوق علاجات السمنة والوزن الزائد يعد من أسرع الأسواق الدوائية نمواً على مستوى العالم.
كما صعد سهم شركة إنتين للألعاب الإلكترونية 3.2 في المائة، بعد أن رفعت باركليز تصنيف قطاع الألعاب الأوروبي إلى مستوى يعادل وزن السوق. وتدل هذه الحركة على أن تقييمات المحللين لا تزال قادرة على تحريك السيولة نحو قطاعات بعينها، خاصة في بيئة تتقاطع فيها العوامل الجيوسياسية مع أخبار الشركات والنتائج التشغيلية.
النفط تحت الضغط والأسواق تراقب الإمدادات
على الجانب الآخر، واصل خام برنت خسائره لينخفض بأكثر من 2 في المائة، مواصلاً الهبوط المسجل في الجلسة السابقة. ويرتبط هذا التراجع مباشرة بتبدد جزء من علاوة المخاطر التي تراكمت خلال الأيام الماضية، عندما خشي المستثمرون من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى تعطيل حركة الإمدادات أو رفع كلفة التأمين والنقل في أسواق الطاقة.
ويشير هذا التطور إلى أن أسواق النفط ما زالت شديدة الحساسية لأي تحول سياسي في الشرق الأوسط، حيث ينعكس أي تهدئة بسرعة على الأسعار، بينما تؤدي التوترات إلى ارتفاعات حادة في وقت قصير. وفي المقابل، تستفيد القطاعات المستهلكة للطاقة من الهبوط، خصوصاً الطيران والنقل وبعض الصناعات الثقيلة.
بيانات اقتصادية متباينة في أوروبا
جاءت حركة الأسواق أيضاً في ظل قراءة متباينة لمجموعة من البيانات الاقتصادية. فقد تراجع معدل التضخم في ألمانيا بشكل طفيف إلى 2.7 في المائة في مايو، ما يمنح بعض الإشارات إلى أن الضغوط السعرية بدأت تتباطأ تدريجياً، وإن بقيت فوق المستويات المستهدفة من البنك المركزي الأوروبي.
وفي بريطانيا، انكمش الاقتصاد 0.1 في المائة في أبريل، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة النمو في إحدى أكبر اقتصادات القارة. وبينما قد تدعم هذه البيانات الرهانات على استمرار الحذر في السياسات النقدية، فإنها تعمق أيضاً المخاوف من أن يكون مسار التعافي أبطأ من المتوقع.
وكان المؤشر الأوروبي قد أنهى جلسة الخميس سلسلة خسائر استمرت أربعة أيام، بعد أن استوعب المستثمرون قرار البنك المركزي الأوروبي الأخير برفع أسعار الفائدة، ثم أعادوا تقييم أثر التوترات الجيوسياسية. ويبدو أن جلسة الجمعة جاءت كتعبير عن عودة مؤقتة للثقة، لا سيما مع غياب مؤشرات فورية على تصعيد عسكري مباشر.
قراءة أوسع لحركة الأسواق
تعكس مكاسب الأسهم الأوروبية مزيجاً من العوامل القصيرة الأجل والطويلة الأجل. فمن جهة، خففت التهدئة النسبية بين واشنطن وطهران الضغوط على النفط وعلى الأصول عالية المخاطر. ومن جهة أخرى، لا تزال الأسواق تتابع بدقة مسار الفائدة في أوروبا، إلى جانب تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الرئيسية ومرونة الشركات في تمرير التكاليف للمستهلكين.
كما تشير التحركات القطاعية إلى أن المستثمرين يفضلون الآن الشركات المرتبطة بالسفر والبنوك والتكنولوجيا المتصلة بالبنية التحتية الرقمية، بينما يتجنبون التعرض المفرط لقطاع الطاقة في ظل هبوط الخام. وفي الوقت نفسه، تبقى الأسهم الدفاعية والدوائية والقطاعات المرتبطة بالطلب المستقر ضمن قائمة المتابعة مع استمرار تقلبات الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة للأسواق الأوروبية، فإن جلسة الجمعة لا تعكس فقط ارتداداً فنياً بعد موجة خسائر، بل تكشف أيضاً عن مدى اعتماد المستثمرين على أي إشارة تخفف المخاطر السياسية وتمنحهم مساحة لإعادة التسعير. ومع ذلك، يظل المشهد مرهوناً بتطورات الشرق الأوسط، وبقدرة البنوك المركزية على موازنة مكافحة التضخم مع دعم النمو.