الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الحرب في الشرق الأوسط تضغط على التصنيع في منطقة اليورو وترفع تكاليف الإنتاج

أظهر مسح حديث أن قطاع التصنيع في منطقة اليورو فقد بعض زخمه في مايو مع ركود الطلب وارتفاع تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، بفعل اضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

تباطؤ جديد في قطاع التصنيع الأوروبي

أظهر مسح أُجري في منطقة اليورو أن قطاع التصنيع دخل مرحلة أبطأ في مايو، بعدما فقد جزءاً من الزخم الذي سجله في الشهر السابق. وجاء هذا التراجع في وقت شهدت فيه الأسواق الصناعية ركوداً في الطلب على السلع، إلى جانب ضغوط متزايدة على سلاسل الإمداد نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.

وبحسب القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات الصناعي، ظل القطاع فوق مستوى النمو البالغ 50 نقطة، لكنه تراجع من مستوى أعلى سجله في أبريل. وهذا يعني أن النشاط لا يزال في المنطقة الإيجابية، لكنه ينمو بوتيرة أضعف بكثير من الشهر السابق.

ويعكس هذا التطور حالة عدم استقرار أوسع في الاقتصاد الصناعي الأوروبي، حيث باتت المصانع تواجه معادلة صعبة بين الحفاظ على الإنتاج من جهة، والتعامل مع ارتفاع المدخلات وتعثر الإمدادات من جهة أخرى.

الطلب يتباطأ والطلبيات الجديدة تتراجع

من أبرز إشارات الضعف في المسح أن الطلبات الجديدة توقفت عن النمو تقريباً في مايو، بعد أن كانت قد سجلت أداءً قوياً في أبريل. كما تراجعت طلبيات التصدير، ما أضاف ضغطاً جديداً على إجمالي الطلب داخل القطاع.

هذا التباطؤ مهم لأنه يشير إلى أن التحسن السابق في الصناعة لم يكن مستنداً إلى طلب مستدام، بل استفاد جزئياً من تسريع بعض العملاء لعمليات الشراء. ومع تراجع هذا العامل، عاد النشاط إلى مسار أكثر هدوءاً.

وفي الوقت نفسه، استمر الإنتاج الصناعي في التوسع، لكنه بأبطأ وتيرة منذ بداية العام. كما انخفضت وتيرة تراكم الطلبات، وهو ما يعكس تراجعاً في قوة دفاتر الطلبات مقارنة بالأشهر السابقة.

التكاليف ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات

الضغوط الأكثر وضوحاً في التقرير كانت على جانب التكاليف. فقد ارتفعت أسعار المدخلات بأسرع وتيرة منذ مايو 2022، مدفوعة بزيادة أسعار الطاقة والمواد الخام، إضافة إلى اضطرابات الشحن والتوريد المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

وتحاول الشركات امتصاص جزء من هذه الزيادة، لكنها بدأت تنقل قسماً منها إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار. وارتفعت أسعار البيع بأسرع وتيرة في أكثر من ثلاث سنوات، ما يعزز المخاوف من أن التضخم قد يظل مرتفعاً خلال الأشهر المقبلة.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن ارتفاع الأسعار يضغط في الوقت نفسه على الطلب. فكلما حاولت المصانع حماية هوامش الربح عبر رفع الأسعار، تراجع الإقبال على المنتجات الصناعية، وهو ما يحد من قدرة الشركات على التوسع.

سلاسل الإمداد تحت ضغط الحرب

أحد أكثر المؤشرات لفتاً للنظر في المسح هو تفاقم تأخيرات سلاسل التوريد لتصل إلى أسوأ مستوى منذ يونيو 2022. ويشير ذلك إلى أن المصانع الأوروبية لا تواجه فقط ارتفاع الأسعار، بل أيضاً صعوبات عملية في الحصول على المواد الخام ونقلها في الوقت المناسب.

وترتبط هذه الضغوط بشكل مباشر بالاضطرابات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي أثرت على حركة الشحن وتكلفة الطاقة وأدخلت مزيداً من عدم اليقين إلى السوق. وفي بيئة كهذه، تصبح قرارات الإنتاج والتخزين والتسعير أكثر حذراً، ما يبطئ دورة النشاط الصناعي بأكملها.

كما أن طول فترة التأخير في التوريد يرفع العبء المالي على الشركات، لأنها تضطر إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر أو البحث عن بدائل أغلى، وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة السلع النهائية.

ألمانيا وفرنسا تعكسان هشاشة المشهد الصناعي

في ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، أظهر المسح أن القطاع الصناعي توقف تقريباً عن التوسع في مايو. وتراجع مؤشر مديري المشتريات هناك إلى مستوى قريب جداً من نقطة التعادل، بعد أن كان قد سجل أداءً أفضل في أبريل.

وبحسب نتائج المسح، انخفضت الطلبات الجديدة لأول مرة منذ خمسة أشهر، كما تراجعت الصادرات الصناعية للمرة الأولى منذ بداية العام. وأشارت الشركات إلى أن حالة الغموض الجيوسياسي وارتفاع الأسعار أثرا في قرارات الشراء والإنتاج.

أما في فرنسا، فقد سجل القطاع الصناعي انكماشاً مفاجئاً بعد أشهر من التحسن النسبي. وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات النقل المرتبطة بالصراع الإقليمي، ما ضغط على المصانع وأضعف بيئة التشغيل.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن التعافي الصناعي في أكبر اقتصادات المنطقة ما زال هشاً، وأنه يتأثر بسرعة بأي صدمة في الطاقة أو التجارة أو الإمدادات.

التوظيف والثقة والآفاق المقبلة

من المؤشرات السلبية الأخرى أن التوظيف في المصانع الأوروبية تراجع بوتيرة تقترب من أسوأ مستوياتها منذ سنوات. ومع تراجع الهوامش الربحية، لجأت الشركات إلى ضبط النفقات البشرية للحفاظ على توازنها المالي.

ورغم ذلك، بقيت النظرة المستقبلية للعام المقبل إيجابية بشكل عام، لكنها أقل تفاؤلاً من المتوسط طويل الأجل. ويعني هذا أن الشركات لا تتوقع انهياراً حاداً، لكنها أيضاً لا ترى تعافياً سريعاً في الأفق القريب.

ويبدو أن المصنّعين يتعاملون مع بيئة مزدوجة الصعوبة: طلب أضعف من جهة، وتكاليف أعلى من جهة أخرى. وهذا المزيج غالباً ما يبطئ الاستثمار والتوظيف، ويجعل قرارات التوسع أكثر تحفظاً.

انعكاسات على السياسة النقدية الأوروبية

تضع هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة دقيقة. فمن ناحية، هناك مؤشرات على عودة ضغوط الأسعار عبر الطاقة والمواد الخام، وهو ما يدفع باتجاه تشديد السياسة النقدية أو الإبقاء عليها قوية. ومن ناحية أخرى، يتباطأ النشاط الصناعي ويزداد التردد في السوق، ما يجعل رفع الفائدة بشكل حاد أكثر خطورة.

ويرى اقتصاديون أن البنك سيحاول موازنة هدفين متعارضين: احتواء التضخم من جهة، وتجنب كبح الاقتصاد أكثر من اللازم من جهة أخرى. وفي ظل هذه الظروف، تصبح بيانات الصناعة والتضخم والإمدادات أكثر تأثيراً على قراراته المقبلة.

وبينما تستمر تداعيات الحرب في الشرق الأوسط في إرباك مسارات الشحن والطاقة، يبدو أن الصناعة الأوروبية ستظل في الأشهر المقبلة تحت ضغط واضح، مع احتمال بقاء الأسعار مرتفعة والنمو محدوداً إلى أن تستقر أسواق الطاقة وتتحسن حركة الإمداد.