تحركات محدودة وسط سوق شديدة الحساسية
أنهت الأسهم الأوروبية جلسة الخميس على ارتفاع طفيف، لكن التداولات بقيت متقلبة مع استمرار المستثمرين في تقييم تأثير التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة، إلى جانب انتظار قرار السياسة النقدية من البنك المركزي الأوروبي. وجاءت الزيادة المحدودة في المؤشرات بعد موجة من التردد في الأسواق العالمية، حيث فضّل المتعاملون تقليص المخاطر قبل صدور أي إشارات جديدة بشأن مسار الفائدة.
وصعد مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنحو 0.3 في المائة ليصل إلى 620.24 نقطة في وقت مبكر من الجلسة، في حركة عكست مزيجاً من الحذر والانتقائية في الشراء. ورغم التحسن الطفيف، لم تظهر قناعة واسعة بأن السوق دخلت مساراً صعودياً مستقراً، إذ ظلت الأنظار مركزة على النفط، والتضخم، واحتمالات تغيير نبرة السياسة النقدية الأوروبية.
وجاء أداء الأسواق في بيئة تتسم بتزايد المخاوف من اضطراب سلاسل الطاقة، بعد ارتفاع أسعار الخام إلى مستويات قريبة من 95 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع لم يضغط فقط على التوقعات الاقتصادية، بل أعاد أيضاً إلى الواجهة سؤالاً حساساً يتعلق بتكلفة التمويل والنمو في أوروبا إذا استمرت ضغوط الأسعار لفترة أطول من المتوقع.
النفط والتوترات يرفعان درجة الحذر
الأسواق فسّرت استمرار العمليات العسكرية المتبادلة في الشرق الأوسط باعتباره عاملاً إضافياً يهدد إمدادات الطاقة العالمية. وفي غياب مؤشرات واضحة على عودة الاستقرار في الممرات البحرية الحيوية، بقيت مخاوف المستثمرين من اتساع نطاق الصدمة النفطية حاضرة بقوة، خصوصاً مع التركيز على مضيق هرمز بوصفه نقطة عبور رئيسية لحركة الخام العالمية.
هذا الوضع انعكس سريعاً على القطاعات الأكثر حساسية لتكاليف الوقود. فقد تعرضت أسهم شركات السفر والترفيه لضغوط بيعية مع اتساع القلق من ارتفاع النفقات التشغيلية وتراجع شهية المستهلكين. وتراجعت أسهم إيزي جيت بنحو 1.7 في المائة، بينما انخفضت أسهم لوفتهانزا 0.5 في المائة، في إشارة إلى أن السوق تعيد تسعير المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة المرتفعة.
في المقابل، استفادت بعض الشركات من نتائج أعمال قوية أو من تحركات استحواذية عززت التفاؤل في قطاعات محددة. وارتفع سهم ويز إير 4.6 في المائة بعد إعلان أرباح سنوية جاءت أفضل من توقعات السوق، رغم أن الشركة امتنعت عن تقديم رؤية كاملة للسنة المالية 2027 بسبب الضبابية المحيطة بالبيئة التشغيلية.
صفقات واستثناءات تدعم بعض الأسهم
بعيداً عن الضغط المرتبط بالطاقة، شهدت الأسهم الفردية تحركات لافتة بفعل الأخبار الخاصة بالشركات. وقفز سهم هوغو بوس 6.4 في المائة بعد أن قدمت مجموعة فريزر البريطانية عرضاً للاستحواذ على دار الأزياء الألمانية بقيمة 2 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.31 مليار دولار. وجذب العرض اهتمام المستثمرين لأنه أضاف طبقة جديدة من الزخم إلى أسهم الشركة في وقت كانت فيه قطاعات التجزئة الفاخرة تواجه اختبارات صعبة.
كما حققت شركات تصنيع الرقائق مكاسب ملحوظة، مع صعود أسهم بي إي سيميكونداكتور 4.2 في المائة وإيه إس إم إنترناشونال 4.8 في المائة. وجاء هذا الأداء رغم التقلب العام في قطاع التكنولوجيا، الذي لا يزال يتأثر بتغير شهية المستثمرين تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي بعد موجة ارتفاع قوية استمرت خلال الأشهر السابقة.
ويشير هذا التباين إلى أن المستثمرين في أوروبا باتوا أكثر ميلاً إلى اختيار الشركات التي تمتلك محفزات تشغيلية واضحة أو قصص نمو محددة، بدلاً من الرهان الواسع على القطاعات الدورية أو على موجات صعود عامة لا تستند دائماً إلى أساسيات مستقرة.
التركيز يتحول إلى المركزي الأوروبي
الحدث الأبرز للمستثمرين ظل قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة، مع ترجيحات في السوق بأن يرفع البنك الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. وتأتي هذه التوقعات في وقت يزداد فيه الجدل بشأن مدى قدرة صانعي السياسة النقدية على مواصلة تشديد الأوضاع المالية، بينما يواجه الاقتصاد الأوروبي صدمة محتملة من جهة الطاقة.
وتكمن حساسية القرار في أن أي إشارة متشددة قد تزيد من الضغط على الأسهم، خصوصاً إذا رأت الأسواق أن البنك المركزي مستعد لتقديم أولوية أكبر لمحاربة التضخم على حساب دعم النمو. أما إذا أظهر البنك قدراً أكبر من الحذر، فقد يحصل المستثمرون على جرعة مؤقتة من الارتياح، لكن ذلك لن يلغي المخاوف المرتبطة بالنفط والتوترات الخارجية.
في هذه البيئة، يترقب المتعاملون أيضاً ما إذا كان البنك سيقدم تقييماً محدثاً لتأثير أسعار الطاقة على مسار التضخم في الأشهر المقبلة. فارتفاع النفط لا يؤثر فقط على الأسعار المباشرة، بل يمتد إلى تكلفة النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما قد يعقد مهمّة احتواء التضخم دون إبطاء النشاط الاقتصادي.
التكنولوجيا وأشباه الموصلات بين التباطؤ والانتقاء
قطاع التكنولوجيا الأوروبي لم يكن بمعزل عن حالة التذبذب العامة. فقد تراجعت موجة الحماس التي دفعت أسهم الذكاء الاصطناعي إلى مستويات مرتفعة في الفترة الماضية، ما جعل المستثمرين أكثر انتقائية في التعامل مع شركات التكنولوجيا والرقائق. ورغم ذلك، بقيت بعض الأسهم قادرة على الاستفادة من التفاؤل بشأن الطلب الصناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
ويؤكد محللون أن القطاع لا يزال يملك فرصاً للنمو، لكنه لم يعد يتحرك بالزخم ذاته الذي ساد في موجات الصعود السابقة. وبدلاً من الرهانات الواسعة، اتجهت المحافظ الاستثمارية إلى البحث عن الشركات التي تجمع بين الأرباح المتماسكة، والتوجيهات الواضحة، والقدرة على الاستفادة من الإنفاق الرأسمالي المستمر في التكنولوجيا والسحابة والرقائق.
هذا التحول يعكس مرحلة أكثر نضجاً في تعامل الأسواق مع الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الارتفاع السعري وحده كافياً لجذب السيولة، بل بات المستثمرون يطلبون دلائل ملموسة على الإيرادات والهوامش والتدفقات النقدية.
قراءة أوسع للمشهد
المعادلة في الأسواق الأوروبية حالياً تقوم على ثلاثة عناصر متداخلة: السياسة النقدية، وصدمات الطاقة، وتباين أداء الشركات. فكلما ارتفعت أسعار النفط أو زادت الضبابية الجيوسياسية، زاد الضغط على أسهم القطاعات الحساسة وعلى توقعات التضخم. وكلما اقترب البنك المركزي الأوروبي من قراره، أصبح المستثمرون أكثر حرصاً على إعادة التموضع قبل صدور الإشارات الرسمية.
وبين هذه العوامل، تظهر السوق الأوروبية في وضع دفاعي أكثر من كونها في حالة اندفاع صعودي. ومع ذلك، فإن تحركات بعض الأسهم الفردية والقطاعات المتخصصة تثبت أن الفرص لا تزال متاحة، لكن ضمن نطاق أضيق وانتقائي يعتمد على جودة الأخبار المالية وقدرة الشركات على التكيّف مع بيئة أقل استقراراً.