الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تراجع سهم «ألفابت» يهدئ موجة الصعود القياسية في وول ستريت

أدى هبوط سهم «ألفابت» إلى كبح الارتفاع القياسي في الأسهم الأميركية، بينما واصلت شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحقيق مكاسب لافتة وسط تساؤلات متزايدة حول استدامة الإنفاق الضخم على القطاع.

تراجع محدود بعد موجة مكاسب طويلة

أنهت الأسهم الأميركية جلسة الثلاثاء على إيقاع أهدأ، بعدما ضغط هبوط سهم «ألفابت» على الزخم الذي قاد الأسواق إلى مستويات قياسية في الأيام السابقة. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة بعد أن سجل مستوى تاريخياً جديداً في الجلسة السابقة، فيما ظل الأداء العام للسوق قريباً من ذرواته الأخيرة.

وفي المقابل، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 65 نقطة، أو 0.1 في المائة، في حين تراجع مؤشر «ناسداك» المركب 0.3 في المائة. ويعكس هذا التباين انتقال السوق من مرحلة الصعود الواسع إلى مرحلة انتقائية أكثر، مع تزايد حساسية المستثمرين تجاه تحركات الشركات الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويرى محللون أن السوق كانت تحتاج إلى توقف مؤقت بعد تسعة أسابيع متتالية من المكاسب لـ«ستاندرد آند بورز 500»، وهي أطول موجة صعود منذ عام 2023. وقد استفادت الأسهم خلال تلك الفترة من نتائج مالية قوية للشركات الأميركية، إلى جانب تحسن الرهانات المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية وأسعار الطاقة.

ألفابت تضغط على المؤشرات بعد خطة تمويل جديدة

كان سهم «ألفابت»، المالكة لـ«غوغل»، العامل الأكثر تأثيراً على حركة السوق. فقد انخفض السهم 4 في المائة بعدما أعلنت الشركة جمع 80 مليار دولار نقداً عبر إصدار أسهم جديدة، مع تخصيص جزء من هذه السيولة لتمويل استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وتخطط الشركة لإنفاق ما يصل إلى 190 مليار دولار على المعدات والاستثمارات خلال العام الحالي، مع توقعات بزيادة أكبر في العام المقبل. ويعكس هذا الرقم حجم التنافس المحتدم بين شركات التكنولوجيا الكبرى على بناء قدرات حوسبة أوسع، وتأمين شرائح إلكترونية ومراكز بيانات وكهرباء كافية لتشغيل النماذج المتقدمة.

لكن هذا المستوى من الإنفاق فتح أيضاً باباً أوسع للنقاش حول العائد الفعلي من سباق الذكاء الاصطناعي. فبينما تواصل الشركات الإعلان عن توسعات رأسمالية كبيرة، يزداد التساؤل في الأسواق حول ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستترجم إلى إيرادات وأرباح قادرة على تبرير التقييمات المرتفعة الحالية.

تباين بين شركات الذكاء الاصطناعي

رغم الضغوط التي واجهتها «ألفابت»، واصلت شركات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحقيق أداء قوي. فقد قفز سهم «هيوليت باكارد إنتربرايز» 31.5 في المائة بعد إعلان نتائج فصلية فاقت توقعات المحللين، مدفوعة بارتفاع الطلب من العملاء الذين يوسعون قدراتهم في المجال.

كما ارتفع سهم شركة «جينيرك» 7.7 في المائة بعد توقيعها اتفاقاً مع شركة كبيرة لتشغيل مراكز بيانات فائقة الحجم لتزويدها بمولدات طاقة احتياطية. وواصلت أسهم شركات الرقائق الصعود، إذ ارتفع سهم «برودكوم» 4.8 في المائة، في إشارة إلى استمرار الطلب على المكونات الأساسية لسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي.

ويشير هذا التباين إلى أن المستثمرين لا يعاملون القطاع بوصفه كتلة واحدة. فالشركات التي تبيع المعدات أو الطاقة أو الخدمات التقنية المباشرة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي تُكافأ حالياً أكثر من الشركات التي تتحمل عبء الإنفاق الأكبر على تطوير النماذج والقدرات الأساسية.

تساؤلات حول تقييمات الذكاء الاصطناعي

تزايدت في الأسابيع الأخيرة المخاوف من احتمال تشكّل فقاعة في سوق الذكاء الاصطناعي، خاصة مع ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بوتيرة تفوق في بعض الأحيان نمو العوائد المؤكدة. فالشركات الرائدة تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد في الرقائق والمراكز السحابية والطاقة والتخزين، وهي بنود ترفع فاتورة التشغيل بسرعة.

وفي هذا السياق، ينظر المستثمرون إلى خطط مثل طرح أسهم جديدة أو توسيع التمويل بوصفها مؤشرات مهمة على توجهات السوق. فإما أن تعكس هذه الخطوات ثقة الشركات في قدرتها على تحقيق نمو مستدام، أو تكشف أن متطلبات التوسع أصبحت أعلى من قدرة الإيرادات الحالية على تغطيتها.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن السوق بدأت تميّز بين من يملك قصة نمو جذابة، ومن يملك أيضاً نموذجاً مالياً قابلاً للاستمرار. ولهذا، فإن أي تراجع في أسهم شركات كبرى مثل «ألفابت» قد لا يكون مجرد حركة يومية، بل اختباراً أولياً لمدى قدرة المستثمرين على تحمل كلفة السباق التكنولوجي الحالي.

النفط والسندات يقدمان دعماً نسبياً للأسواق

في أسواق الطاقة، استقرت أسعار النفط بعد ارتفاعات الجلسة السابقة، إذ تراجع خام برنت 0.3 في المائة إلى 94.71 دولار للبرميل. ورغم هذا الانخفاض الطفيف، بقي السعر أعلى بكثير من مستوياته السابقة للنزاعات الإقليمية، ما يعكس استمرار أثر التوترات الجيوسياسية على تكاليف الطاقة العالمية.

أما في سوق السندات، فاستقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية نسبياً قبل صدور بيانات جديدة حول سوق العمل. وانخفض العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.45 في المائة من 4.47 في المائة في الجلسة السابقة، في إشارة إلى انتظار المستثمرين لأي إشارات جديدة بشأن مسار الاقتصاد الأميركي والسياسة النقدية.

وبالتوازي، أظهرت الأسواق العالمية أداءً متبايناً بين أوروبا وآسيا، في حين سجل مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ قفزة بلغت 2.5 في المائة، ليكون من بين أقوى الصعودات اليومية عالمياً. ويعكس ذلك استمرار الفوارق في شهية المخاطرة بين الأسواق، تبعاً لظروف كل منطقة وتوقعاتها الاقتصادية.

مكاسب الذكاء الاصطناعي لم تعد كافية وحدها

الرسالة الأوضح من جلسة الثلاثاء هي أن موجة الذكاء الاصطناعي لا تزال تدعم السوق الأميركية، لكنها لم تعد تحميها من التذبذب الكامل. فمع كل إعلان عن استثمار جديد أو جمع تمويل ضخم، تتجدد أسئلة المستثمرين حول العائد الحقيقي، وحول ما إذا كانت الأسواق تسعّر المستقبل بدقة أم تبالغ في توقعاته.

وفي الوقت الذي تواصل فيه شركات التكنولوجيا ضخ المليارات في البنية التحتية للنماذج المتقدمة، يبدو أن وول ستريت دخلت مرحلة جديدة من التقييم أكثر من الحماس. فالسوق لم تعد تحتفي بالنمو وحده، بل بدأت تطلب دليلاً أوضح على الربحية، والقدرة على تحويل الإنفاق الكبير إلى قيمة مستدامة.

وبين ضغط «ألفابت» على المؤشرات، وصعود شركات المعدات والرقائق، واستمرار الشكوك حول تقييمات الذكاء الاصطناعي، تبدو الأسواق الأميركية أمام معادلة دقيقة: مواصلة الرهان على التكنولوجيا، من دون تجاهل الكلفة المرتفعة لذلك الرهان.