الأعمال والاقتصاد الرقمي 01-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تحذيرات من انعكاس طفرة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأسواق العالمية

يرى محلل استثماري أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد تتباطأ في وقت لاحق، ما قد يضغط على الأسهم والاقتصادات الكبرى ويكشف عن قطاعات أكثر صموداً.

يرى محلل استثماري أن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي ستستمر، بل كيف ستتعامل الأسواق عندما يبدأ زخمها في التراجع. فالموجة الحالية من الإنفاق على البنية التحتية والبرمجيات ومراكز البيانات تبدو قوية للغاية، لكن التاريخ الاقتصادي يوضح أن أي دورة استثمارية في التكنولوجيا تصل في النهاية إلى نقطة تباطؤ.

ويستند هذا التحذير إلى قراءة أوسع لحجم الإنفاق الحالي في القطاع، إذ قفزت الاستثمارات السنوية في المعدات والبرمجيات التكنولوجية إلى نحو 1.5 تريليون دولار في العام الماضي. هذا الرقم يتجاوز بنحو 70% الذروة المعدلة بالتضخم التي سجلتها فقاعة التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في أواخر التسعينات، وهي الفترة التي ارتبطت ببداية أزمة الدوت كوم. ورغم أن هذا لا يعني انفجاراً قريباً للفقاعة، فإنه يضع الأسواق أمام حقيقة بسيطة: النمو القوي لا يدوم إلى الأبد.

ما الذي قد يحدث إذا تباطأ الاستثمار؟

التحليل يشير إلى أن أي تراجع في الإنفاق التكنولوجي قد يترك أثراً اقتصادياً ملموساً حتى لو كان محدوداً نسبياً. فهبوط بنحو 5% في استثمار الولايات المتحدة في التكنولوجيا قد يكون كافياً لدفع اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو إلى حافة الركود، مع احتمال تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو نقطة مئوية واحدة في العام التالي للصدمة.

وفي هذا السيناريو، قد تكون الولايات المتحدة الأسرع تعافياً بفضل مرونة اقتصادها وعمقه المالي، بينما قد تواجه منطقة اليورو صعوبة أكبر في استعادة الزخم بسبب ضعف النمو الأساسي مقارنة بالسوق الأميركية. وهذا الفارق مهم للمستثمرين، لأن الصدمات المرتبطة بالاستثمار لا تؤثر فقط في الشركات التقنية نفسها، بل تمتد إلى الاستهلاك والائتمان والطلب الصناعي وسلاسل التوريد.

ويحذر التحليل من أن الأسواق المالية قد تتجاوب بعنف أكبر من الاقتصاد الحقيقي. فحتى تصحيح بسيط في إنفاق الذكاء الاصطناعي قد يطلق موجة بيع أوسع في الأسهم، خصوصاً في القطاعات المرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا والإنفاق الرأسمالي. ومع اتساع وزن شركات التكنولوجيا الكبرى في المؤشرات العالمية، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد ينعكس سريعاً على تقييمات الأسهم.

ثلاثة مسارات محتملة لانعكاس الطفرة

يرسم التحليل ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنهاية موجة الإنفاق الحالية. في السيناريو الأول، يحدث تراجع محدود يقضي على بعض المبالغة قصيرة الأجل قبل أن يعاود السوق التعافي. وفي هذا الوضع قد يتراجع السوق الأميركي بنحو 15%، بينما قد تهبط الأسواق الأوروبية بأكثر من 20% مع دخولها منطقة سوق هابطة جديدة.

أما السيناريو الثاني، فيفترض ركوداً تقوده التكنولوجيا مع هبوط في الاستثمار بنحو 6%. عندها قد تتجاوز خسائر السوق الأميركية 20%، فيما قد تتخطى الخسائر في أوروبا 30%. والسبب في شدة التأثير على أوروبا يعود جزئياً إلى تدفقات الأموال، إذ يميل المستثمرون الأميركيون في أوقات الضغوط إلى إعادة الأموال إلى الداخل والبحث عن أصول أكثر أماناً، ما يزيد الضغط على الأسواق الخارجية.

وفي السيناريو الثالث، وهو الانهيار المشابه لما حدث في بداية الألفية مع فقاعة التكنولوجيا والإعلام والاتصالات، قد تتجاوز التراجعات 50%. وعند هذه النقطة تصبح السيولة النقدية الخيار الأكثر أماناً، لكن من يفضل البقاء داخل الأسهم سيحتاج إلى قطاعات أقل ارتباطاً بالدورة التقنية وأقل تأثراً بالبيع القسري.

القطاعات الدفاعية قد تكون الملاذ النسبي

رغم أن أوروبا قد تتضرر أكثر من غيرها في حالة انعكاس الطفرة، فإن بعض الفرص الدفاعية قد تكون موجودة داخل القارة نفسها. ويبرز في هذا السياق قطاع البناء والبنية التحتية الأوروبي، خصوصاً في ألمانيا، التي التزمت بإنفاق يقدر بنحو 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي على البنية التحتية خلال العقد المقبل. هذا النوع من الإنفاق عادة ما يستمر حتى في فترات التباطؤ، وقد يتسارع إذا احتاجت الحكومات إلى دعم النشاط الاقتصادي.

كما تظهر قطاعات الأدوية والغذاء في أوروبا بوصفها خيارات نسبية أكثر استقراراً، لأنها أقل ارتباطاً مباشرة بموجة الذكاء الاصطناعي، ولأن الطلب عليها يميل إلى الصمود في أوقات الاضطراب. وهذه القطاعات لا تُعد محصنة بالكامل، لكنها قد تتراجع بدرجة أقل من قطاعات النمو العالية التقييم.

ويشير التحليل أيضاً إلى أن المستثمرين الأميركيين، إذا تعرضوا لخسائر كبيرة في الأسهم التقنية، قد يضطرون إلى بيع أصول أخرى لتغطية الهامش أو موازنة محافظهم، وهو ما يمكن أن يزيد الضغط حتى على الأسهم الدفاعية. لذلك قد لا تكون الحماية في اختيار قطاع دفاعي فقط، بل أيضاً في اختيار السوق الأقل تعرضاً لعمليات البيع الواسعة.

رسالة للمستثمرين قبل انتهاء الزخم

الخلاصة الأساسية هي أن طفرة الذكاء الاصطناعي، مهما بدت قوية اليوم، ستصل في مرحلة ما إلى تباطؤ طبيعي أو حاد. وهذه اللحظة قد لا تكون كارثية بالضرورة، لكنها قد تكون كافية لإرباك الأسواق وإعادة تقييم الأسهم المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والشركات التي تبني نماذج أعمالها على توقعات نمو مرتفعة جداً.

بالنسبة للمستثمرين، يعني ذلك أن الاستعداد المبكر أهم من التحرك المتأخر. فإدارة المخاطر في هذه المرحلة قد تتطلب تنويعاً أوسع، ومراجعة لتقديرات الأرباح، والانتباه إلى القطاعات التي لا تعتمد بشكل مباشر على موجة الإنفاق التكنولوجي الحالية. وفي بيئة تتسم بتضخم التقييمات، قد يكون البحث عن الاستقرار أكثر أهمية من مطاردة النمو السريع.

وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي جذب رؤوس الأموال حول العالم، تبقى الرسالة الأبرز أن كل دورة استثمارية تحتاج إلى اختبار الواقع في النهاية. والسؤال الاستثماري لم يعد حول حجم الطفرة، بل حول من سيكون مستعداً عندما تبدأ في فقدان سرعتها.