الأعمال والاقتصاد الرقمي 12-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الذهب يتجه لخسارة أسبوعية مع ترقب تشدد الاحتياطي الفيدرالي وتراجع الطلب الاستثماري

تراجعت أسعار الذهب مع نهاية الأسبوع تحت ضغط توقعات استمرار التشديد النقدي في الولايات المتحدة، وارتفاع بيانات التضخم، وتراجع شهية المستثمرين للأصول التي لا تدر عائداً، بينما بقيت التطورات الجيوسياسية عاملاً مؤثراً في حركة السوق.

الذهب يتراجع مع تحسن رهانات التشديد النقدي

اتجهت أسعار الذهب إلى تسجيل خسارة أسبوعية ملحوظة مع نهاية تعاملات الجمعة، بعدما زادت السوق من تركيزها على احتمالات بقاء السياسة النقدية الأميركية عند مستوى متشدد لفترة أطول. وجاء الضغط على المعدن الأصفر في وقت تتصاعد فيه المخاوف من التضخم، وتبقى فيه عوائد الأصول الأخرى أكثر جاذبية من الذهب الذي لا يمنح حامله دخلاً دورياً.

وبحسب حركة التداولات المبكرة، تراجع الذهب في السوق الفورية بنسبة 0.5 في المائة إلى 4193.58 دولار للأوقية، ليصبح في طريقه إلى خسارة أسبوعية تقارب 3.1 في المائة. وفي المقابل، سجلت العقود الآجلة الأميركية للذهب ارتفاعاً محدوداً إلى 4215.30 دولار للأوقية، في إشارة إلى استمرار التقلبات الحادة بين التداول الفوري والآجل.

وجاء هذا الأداء بعد جلسة الخميس التي هبط فيها الذهب إلى أدنى مستوى له في أكثر من ستة أشهر، قبل أن يقلص خسائره في وقت لاحق. وأظهرت تلك الجلسة كيف يمكن للعوامل السياسية والجيوسياسية أن تعيد تشكيل حركة الأسعار بسرعة، لكن من دون أن تلغي أثر العوامل النقدية الأساسية على المدى الأقصر.

التضخم الأميركي يعزز الضغط على المعدن النفيس

أحد أبرز دوافع الضغط على الذهب هذا الأسبوع كان ارتفاع أسعار المنتجين في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقع خلال مايو، مسجلة أكبر زيادة سنوية منذ ثلاثة أعوام ونصف العام. وجاءت الزيادة مدفوعة جزئياً بصعود أسعار الطاقة، في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط وما تسببه من اضطراب في أسواق النفط والسلع المرتبطة به.

هذه البيانات عززت الاعتقاد بأن ضغوط الأسعار لم تتراجع بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، وهو ما يزيد احتمالات إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي على نهج حذر. وكلما ارتفعت توقعات الفائدة أو طال أمدها، زادت الكلفة البديلة للاحتفاظ بالذهب، ما يدفع بعض المحافظ الاستثمارية إلى تقليص تعرضها له.

وتشير أدوات تسعير توقعات الفائدة في الأسواق إلى أن المتعاملين باتوا يقدّرون احتمال رفع الفائدة الأميركية خلال ديسمبر المقبل بنحو 60 في المائة. ورغم أن هذا الاحتمال ليس حاسماً، فإنه يكفي لزيادة الضغط على المعادن النفيسة، خصوصاً في بيئة تتسم بحساسية عالية تجاه أي إشارة من البنك المركزي الأميركي.

الجيوسياسة تظل عاملاً داعماً لكن محدود الأثر

رغم هيمنة عامل الفائدة، بقيت التطورات الجيوسياسية مؤثرة في حركة السوق. فقد تراجع الذهب في وقت سابق بعد أن ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربات عسكرية كانت مقررة ضد إيران، مع حديثه عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام قريب. هذا التحول خفف جزءاً من الطلب الدفاعي على المعدن النفيس، الذي غالباً ما يستفيد من فترات التوتر العسكري أو الجيوسياسي.

لكن التهدئة السياسية لم تكن كافية لتغيير الاتجاه العام في السوق، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن المفاوضات ومآلاتها. كما أن أي تحسن سريع في المعنويات يبقى عرضة للانعكاس إذا عادت المخاطر الأمنية إلى الواجهة، وهو ما يجعل الذهب يتحرك حالياً بين ضغط السياسة النقدية ودعم الملاذ الآمن.

وقال محللون إن المعدن الأصفر لا يزال شديد الارتباط بالأحداث السياسية والاقتصادية المتسارعة، لكن وزن أسعار الفائدة يبقى الأثقل في المرحلة الحالية. فكل إشارة إضافية إلى تشديد النقد أو تأخر خفضه تعيد ترتيب أولويات المستثمرين وتحد من شهية الشراء عند المستويات المرتفعة.

حيازات الصناديق والتوقعات السعرية تحت المراجعة

من المؤشرات الأخرى التي عكست ضعف الطلب الاستثماري، انخفاض حيازات صندوق «إس بي دي آر»، وهو أكبر صندوق متداول مدعوم بالذهب في العالم، بنسبة 0.3 في المائة لتصل إلى 923.89 طن متري يوم الأربعاء. ويُعد هذا التراجع إشارة إضافية إلى أن جزءاً من المستثمرين المؤسسيين يخفف تعرضه للمعدن في ظل تذبذب الأسعار وارتفاع تكلفة الاحتفاظ به.

وفي موازاة ذلك، خفض بنك «إيه إن زد» توقعه لسعر الذهب بنهاية العام بمقدار 400 دولار، متوقعاً أن يصل إلى 5200 دولار للأوقية. ويعكس هذا التعديل قراءة أكثر حذراً لمسار السوق، في ضوء التقلبات الأخيرة والبيئة النقدية الصعبة التي تواجه الأصول غير المدرة للعائد.

ومع أن توقعات المؤسسات المالية تبقى عرضة للتعديل وفق البيانات المقبلة، فإن الاتجاه العام يوحي بأن السوق لم يعد يعتمد فقط على رواية الملاذ الآمن، بل بات يوازن بين هذا الدور وبين أثر العائد الحقيقي للفائدة الأميركية.

أداء المعادن النفيسة الأخرى

لم يكن الذهب وحده تحت الضغط، إذ شهدت المعادن النفيسة الأخرى تحركات متباينة. فقد انخفضت الفضة بنسبة 0.5 في المائة إلى 67.03 دولار للأوقية، مع بقائها أيضاً على مسار خسارة أسبوعية. أما البلاتين فارتفع بنسبة 0.7 في المائة إلى 1731.41 دولار للأوقية، رغم أنه ما زال يتجه لتسجيل تراجع أسبوعي إجمالاً.

وفي المقابل، حقق البلاديوم مكاسب أوضح، إذ صعد بنسبة 1.8 في المائة إلى 1292.20 دولار للأوقية، ليرفع مكاسبه الأسبوعية إلى نحو 5 في المائة. وتظهر هذه التحركات أن سوق المعادن النفيسة لم يتحرك ككتلة واحدة، بل تأثر كل معدن بعوامل العرض والطلب الخاصة به، إلى جانب المزاج العام تجاه المخاطر.

وتكشف هذه الصورة عن سوق يفتقر إلى اتجاه واحد واضح، حيث تتداخل فيه إشارات الفائدة الأميركية مع بيانات التضخم وتطورات الطاقة والجغرافيا السياسية. وبين هذه العوامل، يبدو الذهب الأكثر حساسية لأي تغير في التوقعات النقدية، ما يجعل مساره في الأسابيع المقبلة مرهوناً ببيانات جديدة من واشنطن وبنبرة الاحتياطي الفيدرالي.