ضغط مزدوج على المعدن النفيس
تراجعت أسعار الذهب في نهاية الأسبوع مع هيمنة عاملين رئيسيين على حركة الأسواق: ارتفاع القلق من استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، وتزايد الرهانات على بقاء السياسة النقدية عند مستويات أكثر تشدداً لفترة أطول. وفي الوقت نفسه، لم ينجح المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط في تقديم الدعم المعتاد للذهب بوصفه ملاذاً آمناً، إذ تراجعت الآمال في الوصول إلى تهدئة دائمة في المنطقة.
وسجل الذهب في التداولات الفورية انخفاضاً يقارب 0.7 في المائة ليهبط إلى 4442.94 دولار للأوقية، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تقترب من 2 في المائة. كما انخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.8 في المائة إلى 4469.10 دولار للأوقية.
ويعكس هذا الأداء تغيراً في مزاج المستثمرين، إذ لم تعد التوترات السياسية وحدها كافية لدفع الطلب على المعدن الأصفر عندما تتصاعد في المقابل توقعات العائدات المرتفعة على الأصول المالية الأخرى.
الأسواق تعيد تسعير مسار الفائدة
زاد الضغط على الذهب بعد تصريحات لمسؤولين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي أشارت إلى أن معركة التضخم لم تُحسم بعد، وأن خيارات البنك المركزي الأميركي ما تزال مفتوحة بين الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو رفعها مجدداً إذا اقتضت البيانات ذلك.
وأوضح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي أن التضخم ما زال أعلى من المستوى المستهدف منذ سنوات، وهو ما يمنح صانعي السياسة النقدية مبرراً للإبقاء على التشديد النقدي. وفي السياق نفسه، شددت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو على أن القرارات المقبلة ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية، مؤكدة أن السياسة الحالية في وضع يسمح بالتحرك عند الحاجة.
وتضغط هذه التوقعات على الذهب لأنه أصل لا يدر عائداً دورياً لحائزيه. وعندما ترتفع الفائدة، تصبح السندات والأدوات المدرة للعائد أكثر جاذبية، ما يقلص إقبال المستثمرين على المعدن النفيس الذي يعتمد جزء كبير من قيمته على الاحتفاظ به كملاذ أو تحوط.
الرهانات على رفع جديد للفائدة تزداد
تشير تسعيرات الأسواق إلى أن المستثمرين باتوا أكثر اقتناعاً بإمكانية قيام الاحتياطي الفيدرالي بخطوة جديدة قبل نهاية العام. ووفقاً لأداة فيد ووتش، فإن احتمالات رفع الفائدة بحلول ديسمبر تقف عند نحو 51 في المائة.
هذا التحول مهم بالنسبة لسوق الذهب، لأن الأسعار تتحرك غالباً وفق توقعات السياسة النقدية وليس فقط وفق القرارات الفعلية. وكلما زادت قناعة المتعاملين بأن الفائدة ستبقى مرتفعة، ازدادت الضغوط على الذهب وغيره من المعادن النفيسة.
ويترقب المستثمرون كذلك بيانات الوظائف الأميركية غير الزراعية لشهر مايو، باعتبارها من أهم المؤشرات القادرة على توجيه توقعات التضخم والطلب والنمو، وبالتالي مسار الفائدة في الأشهر المقبلة.
الشرق الأوسط يفقد جزءاً من تأثيره الداعم
في العادة، يدعم تصاعد التوترات الجيوسياسية أسعار الذهب لأن المستثمرين يبحثون عن أصول أكثر أماناً عند ارتفاع مخاطر عدم اليقين. لكن هذا الأثر كان أضعف هذه المرة، بعدما تراجعت الآمال في اختراق سياسي قادر على تهدئة الصراع الإقليمي.
وجاء ذلك في ظل مؤشرات على تعقّد مسار التهدئة، مع استمرار الخلافات حول ترتيبات وقف إطلاق النار والوجود العسكري والضمانات الأمنية. وبدلاً من أن يترجم هذا الوضع إلى صعود قوي للذهب، بدا أن الأسواق ركزت بصورة أكبر على كلفة التمويل المرتفعة ومخاطر الفائدة، ما حدّ من قدرة المعدن على الاستفادة من التطورات السياسية.
وقال محللون في السوق إن تراجع التفاؤل بشأن مسار التسوية الإقليمية، بالتوازي مع تسعير بيئة نقدية أكثر صرامة، خلق مزيجاً سلبياً للذهب خلال الأسبوع.
هبوط جماعي في المعادن النفيسة
لم يكن الذهب وحده تحت الضغط، إذ شملت موجة التراجع بقية المعادن النفيسة أيضاً. فقد انخفضت الفضة في التداولات الفورية بنسبة 1.6 في المائة إلى 72.66 دولار للأوقية، بينما هبط البلاتين بنسبة 1.1 في المائة إلى 1879.42 دولار، وتراجع البلاديوم بنسبة 1.6 في المائة إلى 1299.23 دولار.
ويشير هذا الأداء إلى أن الضغوط لم تكن خاصة بذهب الاستثمار فقط، بل امتدت إلى السوق الأوسع للمعادن، في ظل حالة ترقب عامة لدى المستثمرين بانتظار بيانات الاقتصاد الأميركي والإشارات التالية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبصورة عامة، تتجه المعادن النفيسة إلى إنهاء الأسبوع على خسائر، بعدما فاقت تأثيرات أسعار الفائدة والتوقعات النقدية أي دعم قادم من التوترات الجيوسياسية.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين؟
يوضح هبوط الذهب أن السوق أصبحت أكثر حساسية لعائد السندات الحقيقي وتوقعات التشديد النقدي مقارنة بالفترات التي كان فيها القلق الجيوسياسي العامل الأكثر تأثيراً. وفي هذا السياق، يراقب المستثمرون ثلاثة عناصر أساسية: مسار التضخم الأميركي، قوة سوق العمل، وأي إشارات جديدة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
إذا جاءت البيانات المقبلة أقوى من المتوقع، فقد تزداد احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها من جديد، وهو ما قد يواصل الضغط على الذهب. أما إذا أظهرت المؤشرات تباطؤاً واضحاً في الاقتصاد الأميركي، فقد يستعيد المعدن الأصفر بعض الدعم باعتباره وسيلة تحوط في بيئة أقل يقيناً.
حتى ذلك الحين، يبدو أن السوق ستظل تتعامل مع الذهب باعتباره أصلاً حساساً لتغيرات السياسة النقدية أكثر من كونه ملاذاً مضموناً في جميع الظروف.