الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ضغوط التضخم واضطرابات الشحن تعمّق انكماش القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال مايو

أظهرت بيانات حديثة استمرار انكماش النشاط في القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال مايو، مع تسارع تكاليف الإنتاج وضعف الطلب واشتداد اختناقات سلاسل الإمداد. ورغم ذلك، ارتفعت ثقة الشركات إلى أعلى مستوى في تسعة أشهر وسط آمال بتحسن الظروف الاقتصادية واستقرار العملة.

انكماش مستمر في نشاط القطاع الخاص

أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة أبحاث اقتصادية دولية استمرار الضعف في أوضاع التشغيل لدى شركات القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر خلال شهر مايو، مع بقاء النشاط دون مستوى النمو للشهر الخامس على التوالي. ورغم تحسن طفيف في القراءة الرئيسية لمؤشر مديري المشتريات، فإن المؤشر ظل بعيداً عن نقطة التعادل، ما يعكس أن الاقتصاد غير النفطي لا يزال يواجه صعوبات واضحة في التوسع خلال الربع الثاني من العام.

وارتفع المؤشر إلى 47.1 نقطة في مايو مقارنة بـ46.6 نقطة في أبريل، إلا أن القراءة ما زالت تشير إلى انكماش. ويعني ذلك أن وتيرة التراجع قد تكون أبطأ من الأشهر السابقة، لكنها لا تزال تعكس بيئة أعمال متوترة تتأثر بضعف الطلب وارتفاع التكاليف واضطرابات الإمداد.

تكاليف الإنتاج تسجل قفزة قوية

المسح الشهري أظهر أن الشركات المصرية واجهت في مايو أسرع زيادة في تكاليف مستلزمات الإنتاج منذ يناير 2023، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية. كما ساهمت ضغوط الأجور في رفع الأعباء التشغيلية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.

هذا الارتفاع الحاد في المدخلات دفع الشركات إلى تمرير جزء من تلك التكاليف إلى المستهلكين عبر رفع أسعار السلع والخدمات. ووفق البيانات، جاءت أسعار البيع عند أحد أسرع معدلاتها المسجلة في تاريخ الدراسة، لتقترب من أعلى مستوى لها على الإطلاق، في إشارة إلى أن موجة التضخم ما زالت تلقى بظلالها على قرارات التسعير والطلب الاستهلاكي.

وبينما تحاول الشركات حماية هوامش الربح، فإن رفع الأسعار قد يؤدي في المقابل إلى مزيد من الضغط على الطلب، خاصة في القطاعات الأكثر حساسية للأسعار مثل التجارة والخدمات.

تراجع الطلب الجديد واستمرار الحذر لدى العملاء

أدت موجة التضخم المرتفعة إلى تراجع الإقبال على الشراء للشهر الخامس على التوالي. وأفادت البيانات بأن الطلبيات الجديدة انخفضت بوتيرة قريبة من التراجع القياسي المسجل في أبريل، ما يعكس حذراً واضحاً لدى العملاء في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية.

ويبدو أن هذا التباطؤ في الطلب لم يقتصر على المستهلكين الأفراد فقط، بل امتد إلى الشركات التي تؤجل قرارات التوسع أو تخفض مستويات التشغيل إلى حين تراجع الضبابية الاقتصادية. وفي مثل هذه الظروف، تميل الشركات إلى تقليص المخاطر وإدارة السيولة بشكل أكثر تحفظاً، وهو ما يضعف دورة النشاط في الاقتصاد غير النفطي.

وتوضح البيانات أن القطاعات الأكثر تأثراً كانت الجملة والتجزئة والخدمات، في حين أظهر التصنيع والإنشاءات مؤشرات أفضل نسبياً، رغم أنها بقيت محدودة وغير كافية لتغيير الصورة العامة.

الشركات تقلص العمالة وسط ضغوط التشغيل

في مواجهة تراجع الطلب وارتفاع المدخلات، لجأت شركات القطاع الخاص إلى خفض العمالة عبر عدم تعويض الوظائف الشاغرة وتسريح عدد من الموظفين. ونتيجة لذلك، تسارع خفض أعداد العاملين بأسرع وتيرة منذ يونيو 2020، ما يعكس عمق التحديات التي تواجهها الشركات في الحفاظ على مستويات التشغيل الحالية.

خفض العمالة عادة ما يكون مؤشراً على أن الشركات لا تتوقع تحسناً سريعاً في الطلب، أو أنها تسعى لحماية ميزانياتها في بيئة غير مستقرة. كما أن هذا التوجه قد يضيف طبقة جديدة من الضغط على الاستهلاك المحلي، لأن تراجع التوظيف ينعكس بدوره على الدخول المتاحة والإنفاق الأسري.

ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن استمرار هذا النمط قد يحد من قدرة القطاع الخاص على دعم النمو خلال الربع الثاني، خاصة إذا بقيت مستويات الأسعار عند حدودها الحالية أو ارتفعت أكثر.

اختناقات الإمداد تزداد والمخزون يرتفع

إلى جانب التضخم وضعف الطلب، شهدت سلاسل التوريد مزيداً من الاضطراب خلال مايو. وأشارت النتائج إلى أن فترات تسليم الموردين أصبحت أطول بأسرع وتيرة منذ نحو أربع سنوات، وهو ما يعكس تأثير تقلبات الأسعار ومشكلات الشحن العالمية في المنطقة، إضافة إلى استمرار الآثار المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

هذا التعثر في الإمداد، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال غير المنجزة بأسرع معدل منذ سبتمبر 2023. وفي الوقت نفسه، عمدت الشركات إلى زيادة مشترياتها ومخزونها بأكبر وتيرة منذ قرابة ثلاث سنوات، في محاولة للتحوط من مزيد من الارتفاعات السعرية أو أي اضطرابات إضافية في التوريد.

لكن رفع المخزون في وقت يتراجع فيه الطلب قد يضع الشركات أمام معادلة صعبة، إذ ترتفع التكاليف التشغيلية بينما تبقى دورة المبيعات أبطأ من المعتاد. وهذا النوع من السلوك الاحترازي يعكس في العادة حالة ترقب واسعة داخل السوق، أكثر من كونه مؤشراً على تحسن قريب في النشاط.

ثقة الأعمال تتحسن رغم الصورة السلبية

ورغم أن المؤشرات التشغيلية ما زالت تعكس انكماشاً واضحاً، فإن معنويات الشركات المصرية تحسنت في مايو إلى أعلى مستوى لها منذ أغسطس 2024. ويبدو أن هذا التحسن يرتبط بتوقعات أكثر تفاؤلاً بشأن تطورات الاقتصاد العام، واحتمالات استقرار سعر الصرف وتحسن البيئة الاستثمارية.

هذا التباين بين الواقع التشغيلي الصعب والتوقعات المستقبلية الأفضل ليس غير مألوف في أسواق تمر بمرحلة إعادة توازن. فقد ترى الشركات أن الضغوط الحالية مؤقتة، أو أن السياسات الاقتصادية المقبلة قد تسهم في تخفيف بعض الاختناقات، ما يدفعها إلى الحفاظ على قدر من التفاؤل الاستثماري رغم التحديات الراهنة.

لكن استمرار هذا التفاؤل سيعتمد على مدى قدرة الاقتصاد على احتواء التضخم وتحسين تدفقات السلع وخفض تكلفة التمويل والطاقة. فالثقة وحدها لا تكفي لدفع النشاط إذا بقيت الأسعار مرتفعة وسلاسل الإمداد مضطربة.

ما الذي تعنيه هذه البيانات للاقتصاد المصري؟

تشير نتائج مايو إلى أن القطاع الخاص غير النفطي ما زال يعمل تحت ضغط مركب يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف الطلب واختناقات الشحن. وهذه العناصر مجتمعة تخلق بيئة أعمال معقدة تجعل التوسع والإنتاج أكثر تكلفة وأقل يقيناً.

وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد يظل النمو في القطاع الخاص محدوداً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في الأنشطة المرتبطة مباشرة بالإنفاق الاستهلاكي والتجارة والخدمات. أما تحسن الأداء، فسيعتمد على قدرة الشركات على التكيف مع التكاليف الجديدة، وعلى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي واللوجستي.

في المحصلة، تكشف بيانات مايو عن اقتصاد غير نفطي لا يزال يواجه ضغوطاً شديدة، لكن مع بقاء نافذة الأمل مفتوحة بفضل تحسن التوقعات وثقة الأعمال. والاختبار الحقيقي سيكون في مدى انعكاس هذا التفاؤل على الإنتاج والوظائف والطلبات الجديدة خلال الأشهر القادمة.