الأعمال والاقتصاد الرقمي 26-Jun-2026 5 دقائق قراءة

بنك إنجلترا يقترح تخفيف قواعد بازل 3 الخاصة بدفاتر التداول

اقترح بنك إنجلترا تعديلات على قواعد بازل 3 الخاصة بدفاتر التداول، في خطوة قد تخفض متطلبات رأس المال لدى البنوك وتواكب تحركات تنظيمية مماثلة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

مقترح تنظيمي جديد في لندن

طرح بنك إنجلترا مقترحات لتخفيف بعض القواعد التي تحكم احتساب رأس المال المخصص لدفاتر التداول لدى البنوك، في خطوة تعكس اتجاهاً تنظيمياً أوسع لدى عدد من الاقتصادات الكبرى لتقليص الأعباء المرتبطة بتطبيق معايير بازل 3.

وتأتي هذه المبادرة بعد تحركات مشابهة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث تسعى الجهات التنظيمية إلى إعادة ضبط الإطار الرقابي بحيث يبقى صارماً من حيث إدارة المخاطر، لكنه أكثر ملاءمة لواقع الأسواق وتباين طرق تطبيق القواعد بين الدول.

وتندرج هذه التعديلات ضمن ما يُعرف بـ«المراجعة الأساسية لمحفظة التداول»، وهي أحد المكونات الرئيسية في منظومة بازل 3، التي صُممت بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتعزيز قدرة البنوك على قياس المخاطر والاحتفاظ برؤوس أموال تعكس مستوى الانكشاف الفعلي في أنشطة التداول.

وبحسب هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لبنك إنجلترا، فإن المقترحات الجديدة تهدف إلى توسيع استخدام النماذج الداخلية لدى البنوك عند حساب متطلبات رأس المال، بدلاً من الاعتماد الأكبر على المنهج المعياري، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى خفض إجمالي المتطلبات الرأسمالية.

تعديلات تستهدف الكفاءة دون إضعاف الاحتراز

فتحت الهيئة باب المشاورات العامة بشأن هذه المقترحات، موضحة أن تجربة تطبيق القواعد على المستوى الدولي أظهرت وجود مجالات يمكن إدخال تعديلات محددة عليها لتحسين التوازن بين صلابة الإطار التنظيمي وكفاءته التشغيلية.

وترى الهيئة أن بعض جوانب المنظومة الحالية أصبحت أكثر تعقيداً من اللازم، بما يرفع التكلفة على البنوك ويؤثر في قدرتها على توظيف رأس المال بكفاءة، خصوصاً في أنشطة التداول التي تعتمد على نماذج متقدمة لقياس المخاطر.

في المقابل، شددت على أن أي تغيير سيبقي على متطلبات احترازية قوية، بحيث لا يتحول التخفيف التنظيمي إلى ثغرة تضعف مناعة القطاع المصرفي أو تقلل من جودة رأس المال الذي تحتفظ به البنوك.

وتُعد دفاتر التداول من أكثر الأنشطة حساسية في القطاع المالي، لأنها تتعلق بمراكز الأصول والأدوات التي تحتفظ بها البنوك بهدف البيع والشراء السريع وتحقيق أرباح من تحركات الأسعار. ولهذا، تُولي الجهات التنظيمية هذه الدفاتر أهمية خاصة عند قياس المخاطر السوقية والتأكد من كفاية رأس المال.

سياق دولي يضغط نحو المراجعة

تتحرك بريطانيا في وقت تشهد فيه قواعد بازل 3 تبايناً واضحاً في وتيرة التنفيذ بين الاقتصادات الكبرى. ففي مارس الماضي، كشف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن مقترحات لتعديل بعض عناصر الإطار، بما شمل تخفيفاً جزئياً للقيود المرتبطة باستخدام النماذج الداخلية في تقدير مخاطر التداول.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي في يونيو عن تخفيف مؤقت لبعض المتطلبات التنظيمية، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية تنافسية المصارف الأوروبية في مواجهة اختلاف الجداول الزمنية والتفاصيل الفنية لتطبيق المعايير عبر الولايات القضائية المختلفة.

ويعكس هذا التوجه رغبة متزايدة لدى المنظمين في تجنب فرض أعباء غير متكافئة على البنوك العاملة عبر أسواق متعددة، خاصة عندما تختلف القواعد الفنية بين دولة وأخرى، بما قد يخلق فجوات تنافسية غير مقصودة.

وفي هذا الإطار، يبدو أن بنك إنجلترا يريد الحفاظ على مكانة لندن كمركز مالي عالمي قادر على استيعاب التشدد الرقابي من دون أن يفقد جاذبيته أمام المؤسسات المصرفية الدولية.

أثر محتمل على رأس المال والتمويل

تتوقع هيئة التنظيم الاحترازي أن تتيح المقترحات للبنوك تحرير ما بين 1.9 مليون و3.8 مليون جنيه إسترليني سنوياً من رأس المال لكل بنك، وهو مبلغ قد يبدو محدوداً في حجمه المطلق لكنه يحمل دلالة مهمة في إدارة السيولة والموارد داخل المؤسسات المالية.

وقد يساهم هذا الهامش الإضافي في تعزيز قدرة البنوك على توجيه جزء أكبر من ميزانياتها نحو الإقراض أو الاستثمار أو دعم أنشطة السوق، بدل تجميدها ضمن متطلبات رأسمالية قد تكون أكثر تشدداً من اللازم في بعض الحالات.

لكن الأثر النهائي سيعتمد على شكل القواعد بعد انتهاء المشاورات، وعلى الطريقة التي ستطبق بها البنوك نماذجها الداخلية، وعلى مدى قبول المنظمين بتوسيع نطاق استخدامها دون المساس بجودة القياس والشفافية.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق الجزء الخاص بالنماذج الداخلية من إطار المراجعة الأساسية لمحفظة التداول في يناير 2028، فيما أوضحت الهيئة أنها ستمنح البنوك وقتاً أطول قبل بدء تطبيق أحد الاختبارات الرئيسية المتعلقة برأس المال، وذلك لإتاحة فرصة أفضل لمراجعة فعالية القواعد الجديدة عملياً.

رسالة من بنك إنجلترا إلى السوق

قال سام وودز، نائب محافظ بنك إنجلترا والرئيس التنفيذي لهيئة التنظيم الاحترازي، إن هذه القواعد تمثل المرحلة الأخيرة من سلسلة الإصلاحات التي انطلقت عقب الأزمة المالية العالمية. وأضاف أن منح مهلة إضافية لتطبيق الحزمة الأخيرة يأخذ في الاعتبار كيفية تنفيذ القواعد في الأسواق الأخرى، مع الحفاظ على مستوى مناسب من التمويل لأنشطة التداول في المملكة المتحدة.

ويحمل هذا التصريح رسالة مزدوجة إلى السوق: من جهة، هناك استعداد لمراجعة ما أثبتت التجربة أنه يحتاج إلى ضبط، ومن جهة أخرى لا يوجد أي توجه للتراجع عن الفلسفة الأساسية التي تقوم عليها المعايير الدولية الجديدة، والمتمثلة في ربط رأس المال بالمخاطر بشكل أوثق.

ومن المنتظر أن تدخل بقية متطلبات بازل 3 في المملكة المتحدة حيّز التنفيذ بدءاً من يناير 2027، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل العلاقة بين البنوك والجهات التنظيمية، وبين كلفة الامتثال والمرونة التشغيلية في واحد من أكبر المراكز المالية في العالم.

وفي المحصلة، يعكس المقترح البريطاني محاولة لإيجاد توازن جديد بين الانضباط المالي وديناميكية الأسواق، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين المراكز المصرفية العالمية على جذب الأعمال من دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار النظامي.