الأعمال والاقتصاد الرقمي 04-Jun-2026 5 دقائق قراءة

العزوف عن الإقراض يضغط على القطاع الخاص في سوريا وسط دعوات إلى إصلاحات مصرفية

يعاني قطاع الأعمال في سوريا من شح حاد في التمويل المصرفي، ما يهدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالانكماش أو الإغلاق، فيما يقترح خبراء حلولاً تشمل الإقراض الموجه، وإعادة هيكلة الديون، وضمانات سيادية للقروض الصغيرة.

يتعرض القطاع الخاص في سوريا لضغط متصاعد نتيجة التراجع الحاد في الإقراض المصرفي، في مشهد يصفه مراقبون بأنه يقترب من التوقف الكامل. هذا الانكماش في التمويل لا ينعكس فقط على قدرة الشركات على التوسع، بل يهدد أيضاً بقاء كثير من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهي شريحة تعد من أكثر القطاعات حساسية لأي اختناق نقدي أو تعطّل في دورة رأس المال العامل.

وتتزامن هذه الأزمة مع استمرار حالة الركود في النشاط الاقتصادي، ما يجعل الوصول إلى التمويل أحد أهم التحديات التي تواجه المنشآت الإنتاجية والخدمية على حد سواء. وفي ظل ضعف القنوات المصرفية التقليدية، تصبح الشركات أمام خيارات محدودة، بعضها مكلف وبعضها يحمل مخاطر مرتفعة على الاستدامة.

تحذيرات من أثر حبس السيولة على الشركات الخاصة

يرى الخبير الاقتصادي عيسى عبود أن الإبقاء على سياسة حبس السيولة وعدم ضخ القروض سيقود عملياً إلى تآكل القطاع الخاص، وقد يدفع عدداً كبيراً من المنشآت إلى الخروج من السوق. ويعتبر أن استمرار هذا النهج سيصيب بشكل خاص الشركات الصغيرة والمتوسطة، لأنها الأقل قدرة على تحمّل فترات الجمود الطويلة وأقل قدرة على اللجوء إلى بدائل تمويلية منظمة.

ويشير عبود إلى أن غياب الإقراض المصرفي لا يعني فقط تعطّل التوسع، بل قد يتحول إلى عامل مباشر في تعثر الشركات القائمة. فالمؤسسات تحتاج إلى تمويل دوري لتغطية التكاليف التشغيلية، وشراء المواد الأولية، وسداد الالتزامات قصيرة الأجل. وعندما ينقطع هذا المسار، يصبح الإفلاس أو الانكماش الحاد احتمالين مطروحين بقوة.

كما يحذر من أن اللجوء إلى التمويل غير الرسمي قد يكون الملاذ الوحيد لبعض أصحاب الأعمال، لكنه ملاذ مكلف للغاية، إذ قد تفرض الجهات غير المنظمة فوائد مرتفعة وشروطاً قاسية تصل إلى مستويات مرهقة، ما يضاعف الضغوط على المنشآت بدلاً من إنقاذها.

حلول مقترحة لإعادة تشغيل الائتمان

في مواجهة هذا الواقع، يقترح عبود برنامج إقراض إلزامي موجهاً نحو القطاعات الإنتاجية الأكثر أهمية، وعلى رأسها الزراعة والصناعة. ويقوم التصور على إلزام المصارف بتخصيص نسبة محددة من ودائعها لصالح هذه الأنشطة، مع تقديم دعم جزئي للفائدة من قبل المصرف المركزي، بما يخفف الكلفة على المقترض ويعيد تحريك الدورة الاقتصادية.

ويشدد أيضاً على ضرورة إنشاء وحدة داخل المصرف المركزي تتولى تسوية الديون المتعثرة وإعادة هيكلة مديونيات المنشآت الصغيرة، مع منح مهلات سماح تسمح لها باستعادة التوازن المالي قبل استئناف السداد. ووفق هذا الطرح، فإن معالجة الديون القديمة قد تكون شرطاً أساسياً لعودة البنوك إلى الإقراض بثقة أكبر.

ومن بين المقترحات الأخرى التي يطرحها عبود توفير ضمانات سيادية للقروض الصغيرة بالتنسيق مع الحكومة، باعتبارها بديلاً عملياً عن الكفالات العقارية التي يصعب على كثير من أصحاب المشاريع تأمينها. ويرى أن هذه الآلية قد توسع قاعدة المستفيدين من التمويل المصرفي وتخفف الاعتماد على حلول ذات كلفة مرتفعة.

كما يعتبر أن التمويل الذاتي القسري ليس حلاً مستداماً، لأنه يستنزف رأس المال العامل ويترك هوامش ربح ضيقة وغير مضمونة، ما يعني أن استمرار الشركات في الاعتماد عليه قد يؤدي في النهاية إلى تراجعها بدلاً من دعمها.

المركزي أمام معادلة بين المخاطر والإنعاش

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي علي عبدالله أن على قيادة المصرف المركزي التحرك لكسر حالة الجمود التي أصابت سوق الائتمان، لأن بقاء الأموال مجمدة لفترة طويلة يكرّس الركود بدلاً من معالجته. ويعتبر أن الإفراج المنظم عن السيولة، رغم ما قد يحمله من مخاطر تضخمية، يبقى الخيار الأكثر واقعية إذا كان الهدف هو إنعاش قطاع الأعمال وإعادة تفعيل النشاط الإنتاجي.

ويؤكد عبدالله أن الحل لا يجب أن يكون اندفاعياً أو مفتوحاً على نحو غير محسوب، بل ينبغي أن يتم بصورة تدريجية وواضحة، بحيث تُراقب النتائج أولاً بأول ويتم تعديل المسار إذا ظهرت مؤشرات سلبية. فإدارة الإقراض ليست مجرد ضخ أموال، بل هي عملية تتطلب توازناً بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار النقدي.

ويرى أن استمرار الوضع الحالي يعني عملياً إغلاق نافذة التمويل أمام القطاع الخاص، وهو ما يطيل أمد الركود ويضعف قدرة السوق على التعافي. ومن هذا المنطلق، يصبح تحريك عجلة الائتمان، حتى بشروط حذرة، خطوة أساسية إذا أريد للاقتصاد أن يستعيد جزءاً من ديناميكيته.

لماذا يعد تمويل الشركات الصغيرة قضية اقتصادية ملحة؟

تشكل المنشآت الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري لعدد كبير من الاقتصادات، لأنها الأكثر قدرة على خلق فرص عمل سريعة والمساهمة في الإنتاج المحلي. وفي الحالة السورية، تبدو أهمية هذا القطاع مضاعفة، لأن أي تعطّل في تمويله لا ينعكس فقط على أصحاب الأعمال، بل يمتد إلى العمال والموردين وسلاسل الإمداد والأسواق المحلية.

وعندما يتراجع الإقراض، تتراجع أيضاً قدرة الشركات على شراء المواد الخام، وتجديد المعدات، ودفع الأجور، والالتزام بالعقود. ومع الوقت، تتراكم آثار الانكماش لتنتقل من مستوى المنشأة إلى مستوى الاقتصاد ككل، وهو ما يفسر القلق من استمرار شح التمويل لفترة طويلة.

كما أن الاعتماد المفرط على القنوات غير الرسمية في تمويل النشاط التجاري يضعف الشفافية ويرفع المخاطر، ويجعل تكلفة رأس المال أعلى بكثير مما يمكن للشركات تحمله. ولهذا، تبدو إعادة بناء العلاقة بين المصارف والقطاع الخاص خطوة ضرورية لأي مسار تعافٍ اقتصادي أوسع.

بين الحاجة إلى الإصلاح والحفاظ على الاستقرار

تعكس الأزمة الحالية معضلة شائعة في البيئات الاقتصادية المضطربة: فالمصرف المركزي يحتاج إلى حماية الاستقرار النقدي، لكنه في الوقت نفسه مطالب بعدم خنق الاقتصاد الحقيقي. ولهذا فإن أي سياسة مستقبلية ستحتاج إلى مزيج من الحذر والمرونة، مع أدوات واضحة لمراقبة الأثر على الأسعار والنشاط الإنتاجي.

وفي ظل غياب التمويل الكافي، تبقى الشركات الصغيرة والمتوسطة الأكثر تعرضاً للمخاطر، ما يجعل من إصلاح الائتمان أولوية تتقدم على كثير من الملفات الأخرى. وإذا لم تُعالج هذه الفجوة بسرعة، فقد يتحول الركود المؤقت إلى ضعف هيكلي طويل الأمد في القطاع الخاص.

وبين دعوات الإقراض الموجه، وإعادة هيكلة الديون، وتقديم الضمانات السيادية، تبدو الخيارات المطروحة أقرب إلى محاولة إنقاذ دورة الأعمال من التوقف الكامل. لكن نجاح أي مسار من هذا النوع يبقى مرهوناً بسرعة التنفيذ، وتوافر الإرادة المؤسسية، وقدرة المصارف على استعادة دورها في تمويل النشاط الاقتصادي المنتج.