الأعمال والاقتصاد الرقمي 14-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى في شهرين وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

استقر مؤشر الدولار قرب أعلى مستوى في شهرين مدعوماً بحالة الضبابية الجيوسياسية وضعف التقدم في جهود التهدئة، بينما تراجعت العملات الرئيسية الأخرى في التعاملات الآسيوية.

استقر الدولار الأمريكي في تداولات الثلاثاء قرب أعلى مستوى له في شهرين، مع استمرار استفادته من الطلب عليه بوصفه أحد أبرز أصول الملاذ الآمن في أوقات الضبابية. وجاء هذا الأداء بينما بقي المستثمرون يوازنون بين التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والبيانات الاقتصادية الأمريكية التي أظهرت قدراً من المتانة.

وأغلق مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية من بينها الين واليورو، عند 100.03 نقطة. وبذلك ظل المؤشر قريباً من ذروته المسجلة يوم الاثنين عند 100.21 نقطة، وهي الأعلى منذ شهرين، ما يعكس استمرار الميل الصعودي للعملة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة.

ضغط على اليورو والجنيه الإسترليني

في المقابل، واصل اليورو والجنيه الإسترليني التحرك تحت الضغط في التعاملات الآسيوية. فقد سجل اليورو 1.1528 دولار، بينما بلغ الجنيه الإسترليني 1.3335 دولار، مع انخفاض بنحو 0.05% لكل منهما حتى الآن. وكانت العملتان قد لامستا في الجلسة السابقة أدنى مستوياتهما في شهرين، ما يشير إلى أن قوة الدولار لا تزال تؤثر في العملات الكبرى.

هذا التراجع لم يكن معزولاً عن موجة أوسع من الحذر في الأسواق العالمية، إذ يميل المستثمرون عادة إلى تقليص تعرضهم للأصول الأكثر تقلباً عندما ترتفع مستويات التوتر أو تتراجع الرهانات على تهدئة سريعة. وفي مثل هذه الظروف، يكتسب الدولار عادة دعماً إضافياً نتيجة سيولته العالية ودوره المركزي في التجارة والتمويل الدوليين.

العملات المرتبطة بالمخاطر تتراجع

الضغوط كانت أوضح على العملات المرتبطة بالمخاطر، إذ انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.1% إلى 0.7039 دولار أمريكي، فيما سجل الدولار النيوزيلندي 0.5804 دولار أمريكي. وغالباً ما تكون هذه العملات أكثر حساسية للتغيرات في شهية المستثمرين تجاه المخاطر العالمية، كما تتأثر بتحولات السيولة وقرارات التمركز في الأسواق.

ويعكس هذا الأداء أن المتعاملين ما زالوا يتجهون إلى الأصول الدفاعية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تبقى البيئة الجيوسياسية متوترة، مع ما يرافق ذلك من أثر مباشر وغير مباشر في مسار العملات وأسعار الأصول المختلفة.

التوتر في الشرق الأوسط يعزز الطلب على الملاذات الآمنة

جاءت تحركات العملة الأمريكية بعد توقف متبادل للهجمات بين إيران وإسرائيل، عقب مناشدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لكن التوتر لم يتبدد بالكامل، إذ هددت طهران باستئناف الضربات إذا واصلت إسرائيل استهداف لبنان. وهذه الإشارات المتضاربة تزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق وتدفع المستثمرين إلى التحوط.

وبحسب قراءة المتعاملين، فإن تعثر المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق دائم مع الإيرانيين لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر أبقى الأسواق في حالة ترقب. ومع غياب تقدم واضح في المسار الدبلوماسي، ظل الدولار مستفيداً من موجة شراء قائمة على الحذر أكثر من كونها رهانا على اتجاه اقتصادي واحد.

البيانات الأمريكية تدعم العملة الخضراء

إلى جانب التوترات السياسية، أسهمت البيانات الأمريكية القوية في تعزيز الدولار. فالمستثمرون يراقبون عن كثب مؤشرات النشاط الاقتصادي والتضخم وسوق العمل، لأن أي إشارات على استمرار صلابة الاقتصاد قد تدعم توقعات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

وفي هذا السياق، قال محلل العملات لدى بنك إن إيه بي رودريجو كاتريل إن فكرة التوصل إلى هدنة أو اتفاق سلام لا تبدو قريبة في ضوء ما تحقق خلال الأسبوعين الماضيين، مضيفاً أن السوق رأت الدولار يرتفع نتيجة الضبابية، ولكن أيضاً بفعل قوة البيانات الأمريكية. وهذه الخلاصة تلخص المزاج السائد لدى المتعاملين: مزيج من الحذر الجيوسياسي والعوامل الاقتصادية المحلية لصالح العملة الأمريكية.

ماذا تعني هذه التحركات للأسواق؟

استقرار الدولار قرب أعلى مستوياته في شهرين قد ينعكس على عدة مسارات في الأسواق العالمية. فمن جهة، يزيد ذلك الضغط على العملات المنافسة، خاصة تلك التي تعتمد على شهية المخاطر. ومن جهة أخرى، قد يفرض مزيداً من التحديات على الاقتصادات الناشئة والشركات التي تعتمد على التمويل بالدولار أو تدير التزاماتها به.

كما أن استمرار قوة الدولار قد يترك أثراً في أسعار السلع المقومة به، إذ تصبح أكثر كلفة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى. وفي الوقت نفسه، يبقى المستثمرون في حالة متابعة لصيقة لأي تطور جديد في الشرق الأوسط أو أي بيانات أمريكية قد تغير حسابات السوق بشأن مسار العملة الأمريكية في الأسابيع المقبلة.

حتى الآن، تبدو الصورة العامة مائلة لصالح الدولار، لكن بقاء هذا الاتجاه سيعتمد على ما إذا كانت حالة عدم اليقين الحالية ستستمر، أو ما إذا كانت الأسواق ستجد في أي تقدم دبلوماسي أو بيانات اقتصادية أضعف سبباً لإعادة تسعير المخاطر.