واصلت أسعار النفط تراجعها في التعاملات الآسيوية المبكرة، مع بقاء السوق تحت تأثير مزيج من التطورات الجيوسياسية والقرارات المرتبطة بتدفقات الخام في منطقة الخليج. وجاء الهبوط الجديد بعد موجة خسائر حادة في الجلسة السابقة، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن قرب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة في العالم.
وبحلول الساعة 09:04 بتوقيت موسكو، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أغسطس بنسبة 1.36% لتصل إلى 76.84 دولاراً للبرميل. كما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط للشهر نفسه بنسبة 1.15% إلى 73.01 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا الأداء استمرار الضغط على السوق بعد جلسة الاثنين التي شهدت هبوط الأسعار بأكثر من 3%.
ضغوط من الإشارات الدبلوماسية وتراجع مخاطر الإمدادات
جاءت موجة البيع الأخيرة بعد إعلان واشنطن منح إيران إعفاءً من العقوبات لمدة 60 يوماً عقب محادثات أولية، إلى جانب تقارير أفادت بانحسار الأعمال القتالية في لبنان ضمن إطار أوسع من التهدئة. وقد ساعدت هذه العوامل على تقليص علاوة المخاطر التي كانت تضيفها الأسواق إلى أسعار النفط خلال الفترة الماضية.
في سوق الطاقة، عادة ما تتحرك الأسعار بسرعة مع أي مؤشر على تغير احتمالات التعطل في الإمدادات أو تحسن فرص التهدئة السياسية. وفي هذه الحالة، اعتبر المتعاملون أن أي تخفيف في القيود أو أي تقدم محدود في المسار الدبلوماسي قد يرفع المعروض الفعلي، أو على الأقل يخفف المخاوف المرتبطة بانقطاع الشحنات.
مضيق هرمز يبقى مركز المراقبة الرئيسي
يرى محللون في بنك آي إن جي أن الزيادة التدريجية في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز ما تزال تؤثر بوضوح على معنويات السوق. فالمضيق الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان يشكل نقطة عبور استراتيجية لكميات كبيرة من النفط الخام والمنتجات البترولية، وأي تغير في مستوى الحركة فيه ينعكس مباشرة على توقعات الأسعار والتداولات الآجلة.
ولا يقتصر أثر المضيق على الإمدادات المباشرة فقط، بل يمتد إلى حسابات الشركات العاملة في النقل البحري والتأمين والطاقة، إذ إن تقييم المخاطر في مثل هذه المنطقة يتحدد سريعاً وفق الأخبار اليومية، حتى قبل أن تظهر أي تغيرات ملموسة في المخزون أو الإنتاج.
ويقول محللون إن المتعاملين في السوق يترقبون ما إذا كانت زيادة الشحنات عبر المضيق تشير إلى عودة أكثر استقراراً في تدفقات النفط، أم أنها مجرد حركة مؤقتة مرتبطة بقراءة دبلوماسية قابلة للتبدل في أي وقت.
السوق بين التشاؤم والتفاؤل
نيل كروسبي، رئيس قسم الأبحاث في شركة سبارتا كوموديتيز، أشار إلى أن عمليات النقل ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، وهو ما قد يفسره السوق بوصفه دليلاً على تحسن تدفق النفط الفعلي وربما على تقدم سياسي في الخلفية. غير أن هذا التحسن لا يبدو كافياً لإعادة التسعير سريعاً، لأن المتعاملين ما زالوا يتعاملون بحذر مع المشهد العام.
ويضيف هذا النوع من الترقب حالة من التذبذب في السوق، حيث تتقاطع قراءات متفائلة بشأن الإمدادات مع الشكوك المرتبطة باستدامة أي تهدئة. لذلك تبدو الأسعار عالقة بين احتمال انخفاض إضافي إذا استمرت التدفقات، واحتمال الارتداد إذا عادت المخاطر الجيوسياسية للواجهة من جديد.
هذا التوازن الهش يفسر لماذا تتحرك العقود الآجلة بسرعة مع كل إشارة جديدة، ولماذا يصبح تسعير النفط أكثر حساسية تجاه الأخبار السياسية واللوجستية عندما يتعلق الأمر بممرات التصدير الرئيسية.
غياب الثقة يعقّد عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل التصعيد
من جانبه، قال كبير محللي السوق في شركة كيه سي إم تريد، تيم واترر، إن الشك يظل مسيطراً على السوق، مستنداً إلى ضعف الثقة بين واشنطن وطهران. ووفقاً لهذا التقييم، فإن العودة إلى مستويات الأسعار السابقة على التصعيد لن تكون فورية، حتى لو ظهرت مؤشرات على تهدئة قصيرة الأجل.
وتعكس هذه الرؤية أن أسواق النفط لا تتعامل فقط مع العرض والطلب المباشرين، بل أيضاً مع احتمالات الاستمرار أو الانفراج في العلاقات بين القوى المؤثرة على الطاقة في المنطقة. وبالتالي، فإن أي خفض في الأسعار قد يبقى محدوداً إذا ظل المستثمرون غير مقتنعين بأن التهدئة قابلة للاستمرار.
كما أن الأسواق عادة ما تبني توقعاتها على مسار كامل من الأحداث، لا على خبر واحد فقط. ولهذا السبب، فإن انخفاض الأسعار الحالي لا يعني بالضرورة تحولاً طويل الأجل في الاتجاه، بقدر ما يعكس إعادة تقييم سريعة للمخاطر الحالية.
ما الذي يراقبه المتعاملون بعد ذلك؟
تتركز الأنظار في المرحلة المقبلة على ثلاثة عناصر رئيسية: مستوى تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، ومدى استمرار الإعفاءات أو التخفيفات المرتبطة بالعقوبات، ثم أي تطور جديد في الاتصالات الدبلوماسية التي قد تؤثر في المزاج العام للأسواق. وإذا استمرت الشحنات في الارتفاع ولم تظهر مؤشرات على تعطل الإمدادات، فقد تبقى الأسعار تحت ضغط.
أما إذا عادت التوترات أو ظهرت إشارات على تعثر المسار السياسي، فمن المرجح أن تستعيد أسعار الخام جزءاً من العلاوة التي فقدتها في الجلسات الأخيرة. وفي كل الأحوال، فإن تداولات النفط تبدو حالياً شديدة الارتباط بالأخبار، أكثر من ارتباطها بعوامل الطلب التقليدية وحدها.
وبين هذه السيناريوهات، تبقى السوق في وضع ترقب، مع ميل واضح إلى الحذر، في انتظار ما إذا كانت التطورات المقبلة ستؤكد انفراجاً حقيقياً في الإمدادات أم تعيد المخاوف الجيوسياسية إلى الواجهة من جديد.