صعود مبكر في وول ستريت
سجلت العقود الآجلة للأسهم الأميركية ارتفاعاً في تعاملات الخميس، مع عودة المستثمرين إلى شراء أسهم التكنولوجيا بعد موجة ضغط بيعي في الجلسة السابقة. وجاء التحسن مدفوعاً أيضاً بتراجع نسبي في القلق الجيوسياسي، بعدما بدأت الأسواق تلتقط إشارات على احتمال تحقيق تقدم في مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا التحرك أعاد بعض الزخم إلى الأسواق الأميركية التي شهدت في اليوم السابق خسائر واضحة، خصوصاً في المؤشرات الثقيلة بأسهم التكنولوجيا، بعدما دفع التراجع الحاد القطاع إلى منطقة التصحيح. ويعكس ذلك استمرار الحساسية العالية لدى المستثمرين تجاه أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة.
وبحلول الساعة 6:22 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، ارتفع عقد داو جونز الآجل 367 نقطة، أي بنسبة 0.73 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 53.75 نقطة، أو 0.74 في المائة، بينما قفزت عقود ناسداك 100 الآجلة 338.75 نقطة، بما يعادل 1.19 في المائة.
الرقائق تقود الارتداد
قاد قطاع أشباه الموصلات موجة التعافي المبكرة، بعدما تعرض لضغوط بيعية قوية يوم الأربعاء. وارتفعت أسهم شركات مثل إنفيديا وإنتل ومايكرون تكنولوجي في تداولات ما قبل الافتتاح، بنسب تراوحت بين 1.2 في المائة و4.7 في المائة، في إشارة إلى رغبة بعض المستثمرين في اقتناص فرص الشراء بعد الهبوط السريع.
وكان تراجع الجلسة السابقة قد دفع المؤشرات الأميركية الرئيسية إلى هبوط تجاوز 1 في المائة، وسط مخاوف من أن تكون أسعار أسهم التكنولوجيا قد ابتعدت كثيراً عن أساسيات الأرباح المتوقعة. كما زاد الضغط على القطاع مع اتساع الحديث عن التقييمات المرتفعة والكلفة الكبيرة للاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ورغم هذا الارتداد، لا تزال المعنويات في السوق حساسة لأي تطور جديد، سواء من جانب البيانات الاقتصادية الأميركية أو من جانب الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر مباشرة في أسعار الطاقة وتوقعات التضخم.
النفط والسياسة النقدية في قلب المعادلة
تتداخل حركة الأسهم حالياً مع مسار أسعار النفط، بعدما عززت التوترات في الشرق الأوسط المخاوف من اضطراب الإمدادات. وفي الوقت نفسه، ساعدت أخبار عن تبادل رسائل دبلوماسية في تهدئة جزء من هذه المخاوف، ما أضفى بعض الاستقرار على أسعار الخام وأسهم في دعم الأسهم الحساسة للمخاطر.
هذا التوازن الهش يضع المستثمرين أمام معادلة صعبة: أي تصعيد جديد قد يدفع النفط إلى الارتفاع ويزيد ضغوط التضخم، بينما قد يخفف أي تقدم في الاتصالات السياسية من هذه المخاطر ويمنح أسواق الأسهم مساحة إضافية للتعافي.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع اقتراب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل، إذ يراقب المتعاملون أي مؤشرات على أن الضغوط السعرية الناجمة عن الطاقة قد تؤثر في وتيرة السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
الأنظار تتجه إلى بيانات التضخم والبطالة
ينتظر المستثمرون صدور تقرير أسعار المنتجين وبيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، باعتبارهما من المؤشرات القادرة على توضيح الاتجاه القريب للتضخم وسوق العمل. وتأتي هذه البيانات بعد صدور قراءة أظهرت أن التضخم الاستهلاكي في الولايات المتحدة تسارع في مايو إلى أسرع وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة.
أما سوق العمل، فلا يزال يُظهر قدراً من المرونة رغم بوادر التباطؤ في التوظيف. فقد ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة بشكل طفيف، فيما بقي معدل البطالة مستقراً، وهو ما يشير إلى أن الشركات لا تزال مترددة في التسريح على نطاق واسع، حتى مع تزايد الضبابية الاقتصادية والسياسية.
هذه الخلفية تجعل البيانات المقبلة ذات وزن أكبر من المعتاد، لأنها قد تساعد في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيبقي على نهجه الحذر أم سيحتاج إلى تعديل تقديراته في ضوء التضخم والطاقة والتقلبات المالية.
تحركات الشركات تضيف إشارات متباينة
على صعيد الأسهم الفردية، هبطت أسهم أوراكل بنحو 7 في المائة بعدما أشارت الشركة إلى أن خطط الإنفاق الرأسمالي في سنتها المالية 2027 ستكون أعلى من توقعات السوق. ويعكس ذلك حجم الاستثمارات المطلوبة لتوسيع القدرة الحاسوبية والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ملف أصبح تحت المجهر في وول ستريت.
في المقابل، قفزت أسهم نافان، شركة خدمات السفر للأعمال، بنسبة 17.6 في المائة بعد رفع توقعاتها السنوية للإيرادات والأرباح التشغيلية. وجاء هذا الأداء مدعوماً باستمرار الطلب على سفر الشركات وتوسع قاعدة العملاء، ما أظهر أن بعض القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي ما زالت تحقق نتائج أقوى من التوقعات.
كما يترقب المستثمرون إدراجاً مرتقباً لأسهم سبيس إكس، التابعة لإيلون ماسك، في خطوة قد تمنح السوق دلالة إضافية على مدى استمرار شهية المستثمرين تجاه شركات التكنولوجيا عالية التقييم. وقد تصل قيمة الشركة، وفق التقديرات المتداولة، إلى مستوى ضخم يجعل الطرح اختباراً مهماً لموجة الصعود التي دفعت الأسهم الأميركية إلى قمم تاريخية هذا العام.
سياق أوسع للأسواق الأميركية
رغم الارتفاع الحالي في العقود الآجلة، لا يزال مؤشر ستاندرد آند بورز 500 متراجعاً بنحو 4 في المائة عن قمته القياسية المسجلة في أوائل يونيو. ويعكس هذا التراجع مزيجاً من العوامل الضاغطة، من بينها ارتفاع تقييمات أسهم التكنولوجيا، وتزايد احتمالات تشديد الأوضاع المالية، والقلق من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إبقاء التضخم أعلى من المستويات المستهدفة لفترة أطول.
وفي مثل هذا المناخ، تتصرف الأسواق بحذر واضح، إذ تميل إلى مكافأة الشركات القادرة على تحقيق نمو قوي في الإيرادات أو أرباح تشغيلية متماسكة، بينما تعاقب الشركات التي تتطلب خطط توسع رأسمالي مرتفعة من دون وضوح كافٍ حول العائد المستقبلي.
وبين تحسن شهية المخاطرة، وترقب البيانات، واستمرار التوترات في الشرق الأوسط، تبدو الأسواق الأميركية أمام جلسات مرشحة لتقلبات متسارعة، مع بقاء التكنولوجيا والطاقة والسياسة النقدية أبرز محركات التداول في المرحلة الراهنة.