الأعمال والاقتصاد الرقمي 05-Jun-2026 5 دقائق قراءة

سوريا ترسم نموذجها الاقتصادي الجديد على أساس الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص

دمشق تحسم توجهها الاقتصادي عبر تبني الشراكة بين القطاعين العام والخاص بديلاً عن الخصخصة المطلقة، مع رهان واضح على الاستثمار والإعفاءات الضريبية وتمويل المشاريع الصغيرة في مسار التعافي وإعادة الإعمار.

أعلنت سوريا توجهها الاقتصادي الجديد بوضوح، عبر اختيار نموذج يقوم على الشراكة الاستراتيجية بين الدولة والقطاع الخاص بدل الخصخصة المطلقة، في خطوة تعكس محاولة إعادة بناء قواعد الاقتصاد الوطني بعد سنوات طويلة من الانكماش والاضطراب. ويأتي هذا التحول ضمن رؤية أوسع لإعادة تعريف دور الدولة بوصفها منظِّماً وضامناً للسوق، لا اللاعب الوحيد فيه، مع منح القطاع الخاص موقعاً مركزياً في قيادة مرحلة التعافي.

هذا التوجه لم يبقَ في إطار التصريحات العامة، بل تُرجم إلى نقاش وطني موسع حول بيئة الأعمال، وأولوية جذب الرساميل المحلية والمهاجرة، وآليات إعادة تشغيل سلاسل الإنتاج والتوزيع. كما يهدف إلى بناء اقتصاد سوق اجتماعي يوازن بين حرية المبادرة الفردية ومتطلبات العدالة والتنمية المستدامة.

مؤتمر اقتصادي يطلق مرحلة جديدة

شهدت دمشق انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص لعام 2026، في حدث يعد الأول من نوعه منذ بدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي. واستمر المؤتمر ثلاثة أيام بمشاركة واسعة من مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاعات الإنتاجية والتجارية، إلى جانب خبراء ورجال أعمال من داخل البلاد وخارجها، فضلاً عن منظمات دولية.

نُظم المؤتمر من قبل وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من الحكومة اليابانية، وشارك فيه نحو 500 شخصية اقتصادية. وركزت أعماله على صياغة رؤى عملية لدعم التعافي، وتحسين بيئة الأعمال، وتحديد القطاعات الأكثر قدرة على تحريك النمو في المرحلة المقبلة.

ويمكن قراءة هذا المؤتمر بوصفه محاولة لتثبيت قنوات مؤسسية دائمة بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث لا يبقى الحوار حول الاقتصاد رهين المبادرات المؤقتة أو اللقاءات غير المنتظمة، بل يتحول إلى آلية مؤثرة في صنع القرار الاقتصادي.

القطاع الخاص يتحول من هامش الدعم إلى محرك رئيسي

تقوم الرؤية السورية الجديدة على اعتبار القطاع الخاص قاطرة للنمو لا مجرد شريك ثانوي. وهذا التحول يعكس إدراكاً لواقع البنية الاقتصادية، حيث تشكل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أكثر من 90 في المائة من نسيج الأعمال في البلاد، وهي الفئة الأكثر قدرة على خلق فرص العمل واستيعاب الطاقات الإنتاجية المحلية.

إلى جانب هذه الشريحة الواسعة، برزت الشركات العائلية والورش الحرفية والمنتجون الزراعيون والمصنعون المحليون كعناصر حافظت على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي خلال سنوات الأزمة. ولذلك، فإن أي سياسة تعافٍ لا تضع هذه الفئات في صلب أولوياتها ستظل محدودة الأثر.

ومن هنا، تتجه السياسات الجديدة إلى دعم هذا القطاع عبر أدوات تمويلية وتنظيمية، تشمل خطوط ائتمان، وقروضاً ميسرة، ومسرعات أعمال، إلى جانب تسهيل المشاركة في المعارض المحلية والدولية وربط رواد الأعمال بشبكات أعمال أوسع داخل البلاد وخارجها.

قانون الاستثمار 114 يحدد ملامح البيئة الجديدة

أحد أبرز ملامح المرحلة الاقتصادية الجديدة يتمثل في قانون الاستثمار 114 لعام 2025، الذي صُمم لتقديم حوافز واسعة للنشاط الاقتصادي، خصوصاً في القطاعات المنتجة. فقد أعفى القانون النشاطين الزراعي والتعليمي من الضرائب، وشجع الصناعات الموجهة للتصدير من خلال مزايا ضريبية كبيرة.

وبموجب الترتيبات الجديدة، تُعفى الشركات التي تصدر أكثر من 50 في المائة من إنتاجها من 80 في المائة من الضرائب، فيما لا تتجاوز الضريبة العامة 15 في المائة. كما شمل الإعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في العمليات الصناعية، في محاولة لخفض تكلفة التشغيل وتحفيز الاستثمار في الطاقة الإنتاجية.

هذه التعديلات لا تقتصر على جذب المستثمرين الكبار، بل تستهدف أيضاً الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للسوق السورية. ومن المتوقع أن تلعب هذه الحوافز دوراً في إعادة دوران عجلة التصنيع المحلي وتوسيع القاعدة الضريبية على المدى المتوسط.

الدولة بين التنظيم والضمان

الرسالة الأساسية من الخطاب الاقتصادي الجديد هي أن الدولة لا تنسحب من الاقتصاد، لكنها تعيد تموضعها. فهي لم تعد تُقدَّم كمالك شامل للأصول، بل كجهة تنظيمية تضمن المنافسة والشفافية وتحمي قواعد السوق من الاحتكار والتشوه.

هذا التصور يقوم على التوازن بين حرية المبادرة وبين وجود إطار حكومي قادر على فرض الحوكمة، وضبط العقود، وضمان مرونة القوانين، وتوفير مناخ مناسب للاستثمار. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الخصخصة بوصفها أداة ممكنة في بعض الحالات، لكنها ليست القاعدة ولا الحل التلقائي لكل المشكلات.

كما تؤكد الحكومة أن القيمة الحقيقية للأصول العامة لا تقاس فقط بسعر بيعها، بل بقدرتها على توليد قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل، وتحسين البنية الإنتاجية، وتعزيز الإيرادات العامة.

القطاعات المرشحة لقيادة الشراكات

تتجه الشراكات بين القطاعين العام والخاص في سوريا إلى مجموعة من القطاعات الحيوية، في مقدمتها الزراعة، والتصنيع الزراعي، والطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والإعمار. وهذه القطاعات تُعد الأكثر ارتباطاً بحاجات التعافي السريع، والأقرب إلى تحقيق أثر اقتصادي ملموس خلال فترة قصيرة نسبياً.

ويبرز في هذا السياق مفهوم التحول الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد باعتباره ضرورة اقتصادية وليس مجرد خيار بيئي. فخفض استهلاك الطاقة، وتحسين كفاءة الموارد، وتبني معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، كلها عناصر ترفع تنافسية المنتجات السورية وتساعد على دخولها الأسواق الخارجية.

كما أن الشراكة الواضحة والشفافة في العقود تمثل شرطاً أساسياً لنجاح هذا المسار، لأن أي غموض في التزامات الأطراف أو في آليات الرقابة قد يبدد الثقة التي يسعى الاقتصاد السوري إلى استعادتها.

المغتربون والتمويل المشترك كرافعة للتعافي

في ظل الحذر الذي يطبع الاستثمارات الخارجية، يبرز رأس المال السوري المغترب باعتباره أحد أهم مصادر التمويل المحتملة في المرحلة المقبلة. فالرساميل المرتبطة بالشتات السوري تُعد، وفق هذا المنظور، الأكثر واقعية وسرعة في ضخ السيولة داخل السوق المحلية.

وتقوم الفكرة على بناء ثقة قانونية ومصرفية عبر ضمانات تتعلق بحماية الملكية، وإمكانية تحويل الأرباح بالعملات الصعبة، وتسهيل التحويلات من الخارج، وتوفير قروض ميسرة للمشاريع المشتركة. كما تُطرح أدوات أخرى مثل التمويل التأجيري، والحوافز الضريبية الممتدة لسنوات، والأراضي الصناعية بأسعار رمزية في المدن الصناعية.

وتظهر أيضاً الحاجة إلى تحويل الحوار الاقتصادي إلى منصة تمويل مشترك تجمع بين الموارد العامة، وأموال المانحين، والرساميل الخاصة، بما يسمح بتمويل مشاريع قابلة للتنفيذ وتحديد أولويات واضحة وجدول زمني ملزم.

من الحوار إلى التنفيذ

أحد التحديات الكبرى أمام النموذج الجديد لا يتعلق فقط بصياغة الرؤية، بل بقدرة المؤسسات على تحويل المخرجات إلى إجراءات عملية. لذلك يطرح خبراء الاقتصاد ضرورة إنشاء لجنة تنفيذية مشتركة، وربط كل توصية بخطة عمل محددة، وميزانية واقعية، وآلية متابعة ومساءلة واضحة.

فبدون هذا الإطار التنفيذي، قد تبقى التوصيات حبيسة البيانات الختامية. أما إذا جرى تحويلها إلى مشاريع محددة بزمن وتمويل ومؤشرات قياس، فقد تصبح نقطة انطلاق فعلية لاقتصاد أكثر انفتاحاً واستدامة.

وفي المحصلة، تبدو سوريا أمام اختبار اقتصادي حاسم: إما نجاح نموذج الشراكة المنضبط، أو بقاء التعافي فكرة مؤجلة. لكن المؤشرات الأولى توحي بأن البلاد تحاول بناء معادلة جديدة، تجعل من القطاع الخاص شريكاً مركزياً، ومن الدولة ضامناً ومنظماً، ومن الاستثمار أداة لإعادة الإعمار لا مجرد بحث عن عائد سريع.