يترقب المستثمرون في الأسواق العالمية طرح شركة SpaceX العام الأولي، الذي قد يصل تقييمه إلى 75 مليار دولار ويجعل منه أكبر اكتتاب عام أولي على الإطلاق. غير أن هذا الحدث لا يهم قطاع الفضاء والذكاء الاصطناعي فقط، بل يثير أيضاً تساؤلات حول أثره المحتمل على سوق العملات المشفرة، التي تواجه بالفعل ضغوطاً متزايدة في الفترة الأخيرة.
وبحسب التقديرات المتداولة في السوق، فإن SpaceX قد تُسعّر عند قيمة تقارب 1.75 تريليون دولار، في خطوة من شأنها أن تخلق زخماً كبيراً في وول ستريت وتدفع المزيد من المستثمرين الأفراد إلى إعادة توزيع محافظهم بين الأصول عالية المخاطر. وتزداد أهمية ذلك مع تخصيص الشركة نسبة تصل إلى 30%، أي ما يعادل نحو 22.5 مليار دولار من الأسهم، لصالح المستثمرين الأفراد، وهو أمر نادر في الطروحات الضخمة التي عادة ما تهيمن عليها المؤسسات.
تحول السيولة نحو الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
يرى محللون ومتخصصون في تداول الأصول الرقمية أن الإقبال المتوقع على SpaceX قد يدفع شريحة من السيولة بعيداً عن العملات المشفرة، على الأقل في الأجل القصير. فالمستثمرون الأفراد الذين يبحثون عن فرص نمو سريعة غالباً ما ينتقلون بين فئات الأصول التي تحمل صفة "القصة الاستثمارية" الأكثر إثارة، وفي هذه المرحلة يبدو أن الذكاء الاصطناعي والأسهم المرتبطة به يستحوذان على اهتمام أكبر من العملات الرقمية.
وتتزامن هذه الديناميكية مع موجة اهتمام متوقعة أيضاً بإدراجات عامة أخرى لشركات بارزة مثل OpenAI وAnthropic، ما يعني أن ما يُعرف برأس المال المضارب قد يجد نفسه أمام عدة وجهات جذابة في الوقت نفسه. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الصعب على البيتكوين وبقية العملات المشفرة استعادة الزخم الذي فقدته خلال الأسابيع الماضية.
ويشير متعاملون في القطاع إلى أن جزءاً من الأموال المتاحة للمخاطرة له سقف محدود، وعندما ترتفع شهية المستثمرين لصفقات جديدة كبرى، فإن الأصول الأخرى قد تتلقى تدفقات أقل. وفي هذا السياق، تبدو العملات المشفرة من أكثر الفئات عرضة لتقلبات المزاج الاستثماري، خاصة عندما يكون البديل شركة بحجم SpaceX وبقصة نمو مرتبطة بالفضاء والذكاء الاصطناعي في آن واحد.
البيتكوين تحت الضغط وتراجع شهية المخاطرة
تأتي هذه التطورات في وقت صعب بالنسبة لسوق الأصول الرقمية. فقد تراجع سعر البيتكوين إلى ما دون 62 ألف دولار، مبتعداً بنحو 52% عن أعلى مستوى تاريخي له، ما يعكس هشاشة الثقة لدى المستثمرين في المرحلة الحالية. كما تعرضت السوق لهبوط أسبوعي حاد كان من بين الأسوأ منذ انهيار منصة FTX في 2022، وهو ما زاد من حساسية المتعاملين تجاه أي عامل قد يسحب السيولة من القطاع.
ولم تقف الضغوط عند حركة السعر فقط، إذ أظهرت بيانات السوق أيضاً تصاعداً في خروج الأموال من الصناديق المتداولة في البورصة المرتبطة بالعملات المشفرة. هذه التدفقات الخارجة، التي بلغت مستويات لافتة في مايو، حدّت من قدرة الصناديق على لعب دورها السابق في دعم الأسعار وتعزيز مشاركة المؤسسات، وهو دور كان محوريًا منذ إطلاق تلك المنتجات في 2024.
وفي الوقت نفسه، ساهمت تطورات أخرى في زيادة الضغوط على السوق، من بينها إعلان شركة Strategy، أكبر مالك مؤسسي للبيتكوين، عن بيع جزء من حيازاتها للمرة الأولى منذ 2022. مثل هذه الإشارات تحمل دلالة نفسية قوية، لأنها تضعف السردية التي بنت عليها السوق جزءاً كبيراً من تفاؤلها خلال السنوات الماضية.
لماذا تنجذب رؤوس الأموال إلى SpaceX الآن؟
تجتمع عدة عوامل تجعل الطرح المحتمل لـ SpaceX جذاباً للمستثمرين الباحثين عن المخاطرة. فالشركة تجمع بين اسم لامع، ونموذج أعمال مرتبط بقطاع الفضاء، وطموحات في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى خطط مستقبلية تشمل توسيع البنية التحتية الرقمية وتحقيق مشاريع بعيدة المدى مثل المهمات إلى المريخ ومراكز البيانات الفضائية. هذا المزيج يمنحها مكانة شبيهة بما يُعرف في الأسواق بـ "الرهان السردي" الذي يلفت انتباه الأفراد بسرعة.
لكن هذه الجاذبية لها تكلفة غير مباشرة على أسواق أخرى. ففي حال تدافع المستثمرين نحو الاكتتاب، قد يضطر كثيرون إلى تقليص مراكزهم في أصول شديدة التقلب مثل البيتكوين والإيثريوم والعملات البديلة. ومع تزامن الطرح مع حالة عدم يقين أوسع في السياسة النقدية العالمية وإمكانية ميل بعض المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً وعائداً، تبدو البيئة الحالية أقل دعماً للعملات المشفرة من المراحل السابقة.
ويذهب بعض المحللين إلى أن العملات المشفرة أصبحت عملياً جزءاً من "مصدر التمويل" الذي يعاد تدويره داخل السوق كلما ظهرت فرصة أكبر أو أكثر إغراءً. ووفق هذا المنطق، لا تحتاج الأسهم الجديدة إلى أن تستقطب المستثمرين من خارج السوق فقط، بل قد تحصل أيضاً على جزء من الأموال التي كانت مخصصة سابقاً للأصول الرقمية.
منافسة مباشرة على رأس المال المضارب
توضح هذه الحالة أن العلاقة بين العملات المشفرة والأسهم عالية النمو ليست تنافسية فقط من حيث الأداء، بل من حيث جذب رأس المال المضارب نفسه. فعندما يتصدر الذكاء الاصطناعي عناوين الأسواق، قد تبدو العملات المشفرة أقل حداثة أو أقل وضوحاً في السردية الاستثمارية، حتى لو بقيت تتحرك بقوة داخل دوائر معينة من المتعاملين.
كما أن الارتفاع الكبير في أسهم أشباه الموصلات والرهانات التقنية الأخرى خلق بديلاً واضحاً للمستثمرين الراغبين في التعرض للابتكار والنمو، من دون المرور عبر سوق التشفير شديد التذبذب. ومع تزايد الحديث عن رفع أو تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة خلال العام الجاري، قد يزداد الميل نحو الأصول التي توفر عائداً أو رؤية أكثر استقراراً، ما يحدّ من فرص تعافٍ سريع للبيتكوين.
وبالنسبة لسوق الكريبتو، فإن المشكلة لا تكمن فقط في هبوط الأسعار، بل في غياب محفز قوي يعيد إليه الزخم الذي ميزه في مراحل سابقة. فإذا كان طرح SpaceX الضخم سيغذّي شهية المستثمرين للمخاطرة، فمن المرجح أن يكون ذلك عبر الأسهم والذكاء الاصطناعي أولاً، لا عبر الأصول الرقمية.
في المحصلة، يبدو أن الاكتتاب المرتقب لـ SpaceX قد يرسخ نمطاً مألوفاً في الأسواق: كلما ظهرت فرصة استثمارية كبرى وذات طابع سردي قوي، أعادت توجيه السيولة من القطاعات الأقل جاذبية نسبياً. وفي الوقت الحالي، يقف سوق العملات المشفرة في مقدمة المتأثرين بهذا التحول.