03-Jul-2026 4 دقائق قراءة

السندات الآسيوية تجذب تدفقات أجنبية قوية مع تحسن النمو وتزايد الحذر من الأسهم

سجلت أسواق السندات الآسيوية في مايو أقوى تدفقات أجنبية منذ ثلاثة أشهر، مدعومة بمتانة النشاط الاقتصادي الإقليمي وارتفاع جاذبية أدوات الدين مقارنة بالأسهم بعد موجة الصعود القوي في الأسواق المالية.

تدفقات أجنبية هي الأقوى منذ فبراير

شهدت أسواق السندات في آسيا خلال مايو عودة ملحوظة لاهتمام المستثمرين الأجانب، بعدما سجلت المنطقة أكبر صافي مشتريات شهرية منذ ثلاثة أشهر. وجاء هذا الأداء في وقت استفادت فيه أدوات الدين من تحسن النشاط الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الآسيوية، إلى جانب زيادة الحذر من الارتفاعات السريعة في أسواق الأسهم، ما دفع بعض المحافظ العالمية إلى إعادة توزيع جزء من استثماراتها نحو الأصول الأقل تقلباً.

وبحسب بيانات صادرة عن جهات تنظيمية محلية وروابط أسواق السندات، بلغت صافي المشتريات الأجنبية في سندات كوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند والهند نحو 5.61 مليار دولار خلال الشهر. ويعد هذا المستوى الأعلى منذ فبراير، عندما وصلت التدفقات الصافية إلى 6.54 مليار دولار، ما يعكس تحسناً واضحاً في شهية المستثمرين تجاه الديون الآسيوية.

وتشير هذه الحركة إلى أن الأسواق الناشئة في آسيا ما زالت قادرة على اجتذاب السيولة العالمية عندما تتوافر مجموعة من العوامل الداعمة، أبرزها استقرار نسبي في المؤشرات الاقتصادية، ووجود عوائد جذابة مقارنة بالأسواق المتقدمة، وتراجع توقعات المخاطرة في بعض فئات الأصول الأخرى.

النمو الإقليمي يدعم جاذبية أدوات الدين

ساهمت البيانات الاقتصادية الإيجابية في تعزيز موقف السندات الآسيوية. فقد شهدت معظم الاقتصادات الإقليمية توسعاً في النشاط الصناعي خلال مايو، وهو ما دعم تقييمات المستثمرين لقدرة هذه الأسواق على الحفاظ على مستويات نمو مستقرة على المدى القريب.

وفي كوريا الجنوبية، ارتفع مؤشر مديري المشتريات إلى 54.8 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ مارس 2021، في إشارة إلى توسع قوي في النشاط الصناعي. كما استفادت اليابان وتايوان من الطلب المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، وهو عامل بات له أثر مباشر في تحفيز بعض سلاسل التوريد الصناعية والإلكترونية في المنطقة.

ويرى محللون في إدارة الثروات العالمية لدى بنك «يو بي إس» أن سندات الأسواق الناشئة عموماً استفادت أيضاً من قوة النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو ما عزز من جاذبيتها لدى المستثمرين الباحثين عن التوازن بين العائد والمخاطر. كما أشاروا إلى أن ارتفاع العوائد واستمرار دعم البنوك المركزية يشكلان عنصرين إضافيين يدعمان النظرة الإيجابية تجاه ديون الأسواق الناشئة.

وفي بيئة استثمارية تتسم بتراجع الرهانات على مزيد من الارتفاعات الحادة في الأسهم، تميل الصناديق العالمية إلى زيادة انكشافها على أدوات الدخل الثابت، ولا سيما في الأسواق التي تجمع بين النمو المقبول والعوائد النسبية المرتفعة.

كوريا الجنوبية تتصدر المشهد الإقليمي

استحوذت السندات الكورية الجنوبية على الحصة الأكبر من التدفقات الأجنبية خلال مايو، بعدما جذبت نحو 4.9 مليار دولار، وهو أعلى تدفق شهري منذ فبراير. ويعكس ذلك ثقة متزايدة في السوق الكورية، سواء من حيث عمقها أو من حيث جاذبية إصداراتها للمستثمرين الدوليين.

ويأتي هذا الإقبال أيضاً في سياق أوسع يتعلق بإدراج السندات الكورية الجنوبية تدريجياً ضمن مؤشر «فوتسي راسل» العالمي للسندات بدءاً من أبريل 2026، على أن يكتمل الإدراج في نوفمبر من العام نفسه. وغالباً ما يدفع مثل هذا النوع من الإدراجات مؤسسات استثمارية كبرى إلى زيادة حيازاتها، انسجاماً مع متطلبات المؤشرات العالمية التي تتبعها الصناديق السلبية والنشطة على حد سواء.

أما إندونيسيا، فقد جذبت تدفقات أجنبية بقيمة 1.2 مليار دولار، بينما سجلت السندات التايلاندية تدفقات بلغت 597 مليون دولار. واستمرت المشتريات الأجنبية في البلدين للشهر الثاني على التوالي، ما يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون ينظرون إلى بعض أسواق جنوب شرق آسيا باعتبارها وجهات مناسبة لتنويع المحافظ.

خروج الأموال من ماليزيا والهند

على الجانب الآخر، لم تكن الصورة موحدة في المنطقة. فقد سجلت السندات الماليزية صافي تدفقات خارجة بلغ 1.08 مليار دولار خلال مايو، في ظل تصاعد التوترات داخل الائتلاف الحاكم، وهو ما أضاف عاملاً سياسياً إلى اعتبارات السوق. وعادة ما تؤدي حالة عدم اليقين المحلي إلى تقليص شهية المستثمرين الأجانب، حتى عندما تبقى الأساسيات الاقتصادية مستقرة نسبياً.

كما شهدت السندات الهندية صافي تدفقات خارجة بلغ 10.07 ملايين دولار، مع استمرار عمليات البيع للشهر الثاني على التوالي. ورغم محدودية حجم الخروج مقارنة بالأسواق الأكبر، فإنه يشير إلى أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يتعاملون بحذر مع التقييمات والاتجاهات قصيرة الأجل في السوق الهندية.

هذا التباين بين الأسواق الآسيوية يوضح أن التدفقات الأجنبية لا تتحرك وفق منطق إقليمي موحد، بل تتأثر بمزيج من العوامل المحلية والدولية، بما في ذلك السياسة النقدية، والوضع السياسي الداخلي، وآفاق النمو، ومستويات العائد الحقيقي.

ما الذي يعنيه ذلك للأسواق الناشئة؟

تعكس بيانات مايو أن السندات الآسيوية ما تزال جزءاً محورياً من قرارات تخصيص الأصول لدى المستثمرين العالميين، خصوصاً في فترات التقلب التي تدفع إلى البحث عن أدوات أكثر استقراراً نسبياً. كما تظهر هذه التدفقات أن الأسواق التي تجمع بين النمو الصناعي القوي والعوائد الجذابة والوضوح التنظيمي قادرة على كسب اهتمام أكبر من رأس المال الأجنبي.

ومع استمرار دعم البنوك المركزية في بعض الاقتصادات الناشئة، وتوقعات النمو العالمي التي لا تزال محافظة على تماسكها، قد تبقى السندات الآسيوية في موقع جيد للاستفادة من أي إعادة توجيه إضافية للأموال بعيداً عن الأصول عالية المخاطر. لكن استمرار هذا الاتجاه سيظل رهناً بعوامل عدة، منها مسار التضخم العالمي، وحركة أسعار الفائدة، والتطورات الجيوسياسية والتجارية التي تؤثر في تدفقات المحافظ الاستثمارية عبر الحدود.

في المحصلة، يبدو أن مايو مثّل شهراً استعاد فيه الدين الآسيوي بعض جاذبيته لدى المستثمر الأجنبي، بقيادة واضحة من كوريا الجنوبية، وبمشاركة ملحوظة من إندونيسيا وتايلاند، مقابل ضغوط في ماليزيا والهند. وهذه الخريطة المتباينة تعكس واقع الأسواق الناشئة اليوم: فرص قائمة، لكن مع حساسية عالية تجاه السياسة والاقتصاد العالميين.