تتحرك مصر لتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد الإقليمية عبر توسيع التعاون مع شركة «موانئ دبي العالمية»، في إطار مسعى حكومي أوسع لترسيخ البلاد بوصفها نقطة ربط رئيسية للتجارة والخدمات اللوجستية بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ويأتي هذا التوجه في وقت تراهن فيه القاهرة على موقعها الجغرافي، وموانئها، والمناطق اللوجستية الجاري تطويرها، لتحسين حركة التبادل التجاري وفتح قنوات أكثر فاعلية أمام الصادرات المصرية إلى أسواق القارة الأفريقية، ثم إلى أسواق أوسع في أوروبا وآسيا.
شراكة تستهدف التوزيع والنفاذ إلى الأسواق
ناقش وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد مع رزوان سومار، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «دي بي ورلد» لشبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والمشرق العربي ومصر، خطط التوسع في مراكز التوزيع والخدمات اللوجستية، مع تركيز واضح على تسهيل حركة التجارة مع الأسواق الأفريقية.
وتعكس هذه المناقشات رغبة مصر في الانتقال من دور العبور التقليدي إلى دور أكثر تأثيراً في إدارة حركة البضائع وإعادة توزيعها إقليمياً، بما يتيح للمصدرين المصريين الوصول إلى أسواق جديدة بصورة أسرع وأكثر كفاءة من حيث التكلفة والوقت.
كما تسعى الحكومة إلى الاستفادة من شبكات الشركة المنتشرة في عدد من الأسواق الأفريقية الرئيسية، بما في ذلك نيجيريا وجنوب أفريقيا وشرق القارة، لربط المنتجات المصرية بمنافذ بيع وتوزيع أوسع، وهو ما قد يدعم حضور السلع المصرية في قطاعات متعددة.
استراتيجية حكومية لتحسين بيئة الاستثمار
أكد الوزير أن الدولة تعمل على حزمة متكاملة لتحسين مناخ الاستثمار، تشمل تبسيط الإجراءات، وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وإزالة العقبات التي تواجه المستثمرين المحليين والأجانب. ويمثل هذا التوجه جزءاً من محاولة أوسع لجذب شركات عالمية قادرة على ضخ استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والتوزيع والخدمات.
وفي هذا السياق، ترى القاهرة أن جذب مزيد من الاستثمارات في اللوجستيات لا يقتصر على زيادة عدد المشروعات، بل يمتد إلى بناء منظومة تشغيل أكثر كفاءة، قادرة على خفض زمن الشحن والتخليص وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
وتراهن الحكومة أيضاً على أن تطوير البيئة الاستثمارية سيشجع على إقامة مشروعات مشتركة بين شركات دولية ومصدرين مصريين، بما يعزز فرص التصنيع والتجميع والتوزيع داخل البلاد، ويزيد من القيمة المضافة المحلية.
مصر كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية
يرى الجانب المصري أن الموقع الجغرافي للبلاد يمنحها أفضلية واضحة تؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للتجارة والتوزيع يخدم ثلاث دوائر رئيسية: أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. وتستند هذه الرؤية إلى شبكة موانئ وممرات بحرية وبرية متصلة، إضافة إلى توسع في المناطق اللوجستية والصناعية.
وتشمل الأولويات الحالية تطوير البنية التحتية للموانئ، ورفع كفاءة الربط بين الموانئ والمناطق الصناعية، وتحسين قدرة سلاسل التوريد على التعامل مع الطلب المتزايد على النقل والتوزيع، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على سرعة التسليم وتنوع الأسواق.
كما تبرز أهمية هذا التوجه في ظل المنافسة الإقليمية المتصاعدة بين المراكز اللوجستية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، حيث تسعى دول عدة إلى اجتذاب تدفقات التجارة العالمية عبر استثمارات كبيرة في الموانئ والخدمات المساندة.
دعم الصادرات وربطها بشبكات أفريقية
شدّد الوزير على أن تعميق التعاون مع أفريقيا يمثل أولوية أساسية لزيادة الصادرات المصرية وتوسيع النفاذ إلى الأسواق الخارجية. ويعتمد هذا المسار على ربط المنتج المصري بشبكات توزيع قائمة بالفعل في عدد من الدول الأفريقية، بما يختصر الزمن اللازم للوصول إلى المستهلك النهائي.
كما أشار إلى أهمية تنظيم لقاءات مباشرة بين الشركة والمصدرين المصريين، بهدف بناء روابط عملية بين الإنتاج المحلي وقنوات التوزيع الأفريقية. ويمثل هذا النوع من الربط أداة مهمة لتحويل الفرص التجارية النظرية إلى مسارات تصدير فعلية ومستقرة.
وتبرز في هذا السياق فرصة الاستفادة من الاتفاقيات التجارية الإقليمية والقارية التي تربط مصر بعدد من الأسواق، ما قد يساعد على تقليل التكلفة الجمركية وتحسين قدرة السلع المصرية على المنافسة.
مراكز لوجستية متكاملة ونموذج التشغيل الجاهز
من بين المسارات التي يجري بحثها التوسع في إنشاء مراكز لوجستية متكاملة وفق نموذج «التشغيل الجاهز»، وهو نموذج يوفر البنية الأساسية والخدمات التشغيلية عبر جهة واحدة، بما يسهل على المستثمرين بدء النشاط وتشغيله بسرعة أكبر.
ويرى المسؤولون أن هذا النموذج يمكن أن يعزز جاذبية المناطق اللوجستية الجديدة، لأنه يقلل من التعقيدات الإدارية والتشغيلية، ويمنح المستثمرين رؤية أوضح للتكاليف والعوائد. كما يتيح للدولة إدارة أفضل للأراضي والمرافق والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين.
وفي حال توسع هذا النوع من المشروعات، فإنه قد يرفع من كفاءة تداول البضائع محلياً وإقليمياً، ويعزز قدرة مصر على تقديم خدمات شحن وتخزين وتوزيع أكثر تنافسية مقارنة بمراكز أخرى في المنطقة.
فرص السوق المصرية ودور الشبكات العالمية
من جانبه، قال رزوان سومار إن السوق المصرية ما زالت تملك فرصاً كبيرة للنمو في مجال التوزيع والخدمات اللوجستية، مستفيداً من موقعها الذي يصل بين ثلاث قارات، ومن قدرتها على التحول إلى منصة تشغيل إقليمية متعددة الاستخدامات.
وأوضح أن الشركة تدير شبكات توزيع واسعة في أسواق أفريقية رئيسية، تمتد إلى مئات الآلاف من نقاط البيع، ما يفتح المجال أمام المنتجات المصرية للوصول إلى قاعدة أوسع من المستهلكين إذا جرى ربطها بهذه الشبكات بصورة منظمة.
كما أبدى اهتماماً بدراسة فرص التوسع في مشروعات توزيع ولوجستيات جديدة داخل مصر، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى الشركات العالمية لأهمية السوق المصرية ليس فقط كوجهة استهلاكية، بل أيضاً كنقطة انطلاق نحو أسواق مجاورة.
أهمية اللوجستيات في تنافسية الاقتصاد
تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه أهمية الخدمات اللوجستية كعامل حاسم في تنافسية الاقتصادات، خاصة مع ارتفاع الطلب على سلاسل توريد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع تقلبات التجارة العالمية. فكل تحسين في النقل والتخزين والتوزيع ينعكس مباشرة على تكلفة السلعة وسرعة وصولها إلى السوق.
وبالنسبة لمصر، فإن تطوير هذا القطاع لا يخدم التجارة الخارجية فقط، بل يمكن أن يخلق أثراً أوسع على قطاعات التصنيع والتجارة الإلكترونية والتصدير الزراعي والصناعات الغذائية، من خلال تقليل الفاقد وتحسين كفاءة الشحن والتسليم.
كما أن تنشيط البنية اللوجستية قد يساعد في جذب شركات دولية تبحث عن مراكز تشغيل إقليمية قريبة من الأسواق الأفريقية والأوروبية، وهو ما يرفع من قيمة مصر داخل خريطة الأعمال الإقليمية ويعزز دورها في الاقتصاد الرقمي المرتبط بحركة التجارة والخدمات.