شهدت فعاليات مؤتمر أستانا الدولي للتعدين والمعادن في كازاخستان نقاشات ركزت على فرص توسيع التعاون بين السعودية وكازاخستان في قطاع التعدين، وسط توجه متنامٍ لدى البلدين لتحويل الثروات المعدنية إلى رافعة اقتصادية طويلة الأجل.
وجاءت هذه الرسائل خلال جلسة حوارية خصصت لاستراتيجية تطوير التعاون في التعدين والمعادن، حيث برزت قناعة مشتركة بأن القطاع لم يعد نشاطاً استخراجياً تقليدياً، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تشمل الاستثمار، والمعالجة الصناعية، والخدمات اللوجستية، والتصدير، وسلاسل القيمة المرتبطة بالصناعة التحويلية.
رؤى متقاربة حول مستقبل التعدين
أوضح الجانب السعودي أن البلدين يتقاسمان أهدافاً متشابهة في هذا المجال، إذ يعمل كل منهما على رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على القطاعات الهيدروكربونية التقليدية. وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوسع يربط التنمية الصناعية بالاستفادة من الموارد الطبيعية بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
كما أشار المتحدثون إلى أن التحول الجاري في كلا البلدين لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يشمل بناء بيئة أعمال قادرة على جذب الشركات المتخصصة، وتسهيل وصول المستثمرين إلى البيانات الجيولوجية، وتسريع القرارات المرتبطة بالتراخيص والاستكشاف، بما يرفع من تنافسية القطاع على المستوى الدولي.
إصلاحات تنظيمية عززت جاذبية القطاع
خلال السنوات الماضية، نفذت السعودية وكازاخستان حزمة من الإصلاحات في قطاع التعدين، شملت تحديث القوانين واللوائح الخاصة بالاستثمار، وتوسيع برامج المسح الجيولوجي، وتحسين خرائط الموارد، ورفع وتيرة أعمال الاستكشاف. كما اتجه البلدان إلى تعزيز التعاون مع المستثمرين الدوليين بهدف تحويل الفرص الجيولوجية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ التجاري.
هذه التغييرات انعكست على ثقة الأسواق الدولية في القطاع التعديني السعودي، الذي حقق موقعاً متقدماً في مؤشر جاذبية الاستثمار لعام 2025 الصادر عن معهد فريزر الكندي، حيث حل في المرتبة العاشرة عالمياً. ويُنظر إلى هذا التقدم باعتباره مؤشراً على تطور البيئة التنظيمية وتزايد وضوح الرؤية بالنسبة للمستثمرين.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية في سياق المنافسة العالمية على جذب رؤوس الأموال إلى المعادن الاستراتيجية، لا سيما مع تنامي الطلب الصناعي على المواد الأولية المرتبطة بالطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم والبنية التحتية.
فرص مشتركة في المعادن الاستراتيجية
تُعد الفوسفات والألومنيوم والصلب والتيتانيوم ومواد البناء والعناصر الأرضية النادرة من أبرز المجالات التي يرى الطرفان أنها قابلة لتعاون استثماري مباشر في المرحلة المقبلة. وتندرج هذه المواد ضمن فئات تحظى بأهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي، سواء بسبب استخدامها في الصناعات الثقيلة أو ارتباطها بالتقنيات المتقدمة وسلاسل الإنتاج الحديثة.
ويرى مسؤولون في القطاع أن هذا النوع من التعاون قد يفتح الباب أمام مشاريع مشتركة تشمل الاستكشاف والمعالجة الأولية والتصنيع النهائي، وهو ما يضاعف القيمة الاقتصادية للموارد بدلاً من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الخام. كما أن توسع التعاون في هذه المجالات قد يخلق فرصاً جديدة للشركات المتخصصة في الخدمات التعدينية والهندسية واللوجستية.
الموقع الجغرافي وسلاسل الإمداد
من النقاط التي نوقشت أيضاً الدور الذي يمكن أن يلعبه الموقع الجغرافي لكل من السعودية وكازاخستان في دعم مرونة سلاسل الإمداد العالمية للمعادن. فوجود قواعد إنتاجية في مناطق متصلة تجارياً وجغرافياً مع أسواق آسيوية وأوروبية واسعة يمنح المشروعات التعدينية بعداً إضافياً يرتبط بالأمن الصناعي وتنوع مسارات التوريد.
ويعني ذلك أن التعاون بين البلدين لا يقتصر على تبادل الخبرات أو جذب الاستثمارات، بل يمتد إلى بناء شبكات أكثر مرونة في النقل والتخزين والتصدير، بما يسهم في خفض المخاطر المرتبطة بالتقلبات الجيوسياسية أو اضطرابات سلاسل التوريد الدولية.
كما أن هذا المنظور ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو إعادة تصميم سلاسل الإمداد بحيث تصبح أكثر قرباً من مراكز الطلب، وأكثر قدرة على الاستجابة للتغيرات السريعة في الأسواق، خاصة في القطاعات المرتبطة بالصناعة والتقنيات المتقدمة.
سلاسل القيمة شرط التنافسية المستقبلية
أكدت المناقشات أن مستقبل التنافسية في التعدين لن يُحسم فقط بوفرة الاحتياطيات الطبيعية، بل بقدرة الدول على بناء سلاسل قيمة متكاملة تربط بين الاستخراج والمعالجة واللوجستيات والتصنيع والتصدير. فكل حلقة من هذه الحلقات تضيف قيمة اقتصادية وتوسّع أثر القطاع على الوظائف والصناعة المحلية.
ولهذا السبب، تتجه السياسات التعدينية الحديثة إلى الاهتمام بالبنية التحتية الصناعية المرتبطة بالقطاع، بما في ذلك شبكات النقل، والمناطق الصناعية، ومصانع المعالجة، والمنظومات الخدمية التي تدعم التشغيل وتقلل زمن الوصول إلى الأسواق. وفي هذا الإطار، تصبح الشراكات الدولية أداة مهمة لرفع كفاءة المشروعات وتوسيع نطاقها.
ويعكس الحوار السعودي الكازاخستاني في أستانا انتقالاً متزايداً من مرحلة الحديث عن الإمكانات إلى مرحلة بناء نموذج عملي للتعاون، يقوم على الاستثمار المتبادل، ونقل المعرفة، واستغلال الموارد بطريقة أكثر ذكاءً واستدامة. ومع استمرار الإصلاحات في البلدين، تبدو فرص التعاون في التعدين مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة.