03-Jul-2026 5 دقائق قراءة

سوريا والإمارات تبحثان فرص الاستثمار في النقل البري والبنية التحتية اللوجستية

بحثت سوريا والإمارات آفاق التعاون في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، مع التركيز على فرص الاستثمار في البنية التحتية وتحديث شبكة الطرق والسكك الحديدية وإعادة تأهيل محاور النقل الرئيسية.

ناقشت سوريا والإمارات فرص توسيع التعاون في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، في إطار اهتمام مشترك بمشاريع البنية التحتية التي يمكن أن تدعم الحركة التجارية وتربط الأسواق الإقليمية بشكل أفضل. وتمحورت المباحثات حول الاستثمار في تأهيل المرافق الحيوية وتبادل الخبرات الفنية، إلى جانب البحث في آليات تمويل وتنفيذ مشاريع جديدة.

وتأتي هذه المحادثات في وقت تواجه فيه البنية التحتية للنقل في سوريا تحديات كبيرة نتيجة سنوات من التراجع والأضرار التي لحقت بعدد من القطاعات الحيوية. لذلك، يكتسب أي تعاون خارجي في هذا المجال أهمية خاصة، سواء من حيث إعادة التأهيل أو من حيث بناء قدرات تشغيلية أكثر كفاءة واستدامة.

واقع شبكة السكك الحديدية والطرق

استعرض الجانب السوري صورة عامة عن وضع قطاع النقل، مشيرا إلى أن شبكة السكك الحديدية تمتد بنحو 2500 كيلومتر، لكن الجزء العامل منها لا يتجاوز حاليا حوالي 1052 كيلومترا. أما بقية الشبكة، فما زال قسم منها قيد التنفيذ أو الدراسة، ما يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات النظرية والطاقة التشغيلية المتاحة على الأرض.

وفي قطاع الطرق، أوضحت المعطيات أن الشبكة المركزية تصل إلى 9058 كيلومترا، ضمن شبكة إجمالية يبلغ طولها 45349 كيلومترا. كما تضم البلاد 1618 كيلومترا من الطرق السريعة، إضافة إلى نحو ألف جسر، تعرض 86 منها لأضرار خلال السنوات الماضية. وتكشف هذه الأرقام حجم الحاجة إلى أعمال ترميم واسعة، خصوصا في المحاور التي تخدم حركة البضائع والنقل بين المحافظات.

ويرى مراقبون أن إصلاح الطرق والجسور لا يقتصر على البعد الخدمي، بل يرتبط مباشرة بكلفة الشحن وسرعة التوزيع وقدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق. وكلما تحسنت كفاءة النقل البري، انعكس ذلك على سلاسل الإمداد وأسعار السلع وتنافسية النشاط التجاري.

تمويلات محتملة ومشاريع قيد التحضير

ضمن الخطط المطروحة، جرى الحديث عن مفاوضات مع البنك الدولي للحصول على منحة تبلغ 200 مليون دولار، تخصص لأعمال تأهيل عاجلة في قطاع النقل. وإذا ما تم تفعيل هذه المنحة، فمن شأنها أن توفر تمويلا أوليا لمشاريع ذات أولوية، خصوصا تلك المرتبطة بإعادة تشغيل أجزاء من الشبكة وتحسين السلامة المرورية.

كما يجري التحضير لتفعيل اتفاق يهدف إلى إنشاء مرافئ جافة في دمشق وحلب وحمص. وتكتسب هذه المرافئ أهمية كبيرة في إدارة حركة الشحن والتخزين والفرز، لأنها تساهم في تقليل الضغط على الممرات التقليدية وتمنح عمليات النقل مرونة أكبر، خاصة في الدول التي تعتمد على النقل البري في جزء كبير من تجارتها.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن للمرافئ الجافة أن تتحول إلى عقد لوجستية تربط بين المستوردين والمصدرين وشركات النقل والمخازن، بما يخلق فرصا جديدة في الخدمات المساندة، مثل التخليص والنقل الوسيط وإدارة المخزون. كما قد تساعد في تقليص زمن دوران الشاحنات وتحسين الانسيابية التجارية.

تحديث أسطول الشاحنات وتعزيز الكفاءة

أحد المحاور التي نوقشت خلال اللقاء كان تحديث أسطول الشاحنات ومركبات النقل القديمة. وتعد هذه النقطة من أبرز تحديات القطاع، لأن الأسطول المتقادم يرفع تكاليف الصيانة ويزيد من استهلاك الوقود ويؤثر على موثوقية الشحن، فضلا عن انعكاساته البيئية والسلامة العامة.

كما عرض الجانب السوري مجموعة من المشاريع الاستثمارية المرتبطة بتأهيل محاور طرق رئيسية، في خطوة تستهدف تحسين الاتصال بين المراكز الاقتصادية والمناطق الإنتاجية والمنافذ الحدودية. ويُنظر إلى هذه المحاور على أنها جزء أساسي من أي خطة لتعافي التجارة الداخلية والخارجية، لأنها تمثل الشرايين التي تتحرك عبرها السلع والمواد الأولية.

وفي بيئة تتسم بارتفاع الحساسية تجاه تكاليف النقل، يمكن لأي تحسين في البنية التحتية أن يحقق أثرا مباشرا على القطاع الخاص، من شركات النقل إلى المستوردين والمصدرين والقطاع الزراعي والصناعي. لذلك، فإن الاستثمار في هذا المجال لا يقتصر على الإنشاءات، بل يمتد إلى دعم النشاط الاقتصادي ككل.

اهتمام إماراتي بالاستثمار والشحن الإقليمي

من جانبه، أبدى الوفد الإماراتي اهتماما بدراسة فرص الاستثمار والمشاركة في إعادة تأهيل قطاع النقل، إلى جانب بحث التحديات المرتبطة بالشحن عبر الحدود مع دول الخليج. ويعكس هذا الاهتمام رؤية تركز على الربط اللوجستي الإقليمي، حيث تتزايد أهمية الطرق البرية كجزء من سلاسل الإمداد بين المشرق والخليج.

كما أن تطوير البنية التحتية للنقل في سوريا قد يفتح الباب أمام فرص أوسع في الخدمات اللوجستية العابرة للحدود، بما يشمل التخزين والنقل والربط بين الموانئ البحرية والمراكز الداخلية. وفي حال توفر بيئة تنظيمية وتمويلية مناسبة، يمكن لهذه المشاريع أن تجذب رأسمال خاصا يبحث عن فرص طويلة الأجل في الأصول التشغيلية.

وتبرز هنا أهمية الشراكات التي تجمع بين الخبرة الفنية والتمويل، لأن نجاح مشاريع النقل يتطلب تنسيقا دقيقا بين الجهات الحكومية والمستثمرين ومشغلي الخدمات، إضافة إلى خطط واضحة للحوكمة والجدوى الاقتصادية.

فرق عمل مشتركة لمتابعة التنفيذ

اتفق الجانبان على تشكيل فرق عمل مشتركة لمتابعة آليات التمويل والتنفيذ، وهو ما يمنح المحادثات طابعا عمليا يتجاوز مستوى التعارف أو تبادل الرؤى العامة. فوجود فرق متخصصة يساعد عادة في تحديد الأولويات، وترتيب المشاريع بحسب الأثر والجاهزية، ووضع أطر زمنية أكثر واقعية.

ويبدو أن التركيز في المرحلة المقبلة سيكون على تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، خصوصا في القطاعات التي ترتبط مباشرة بتسهيل التجارة وتحسين الحركة الاقتصادية. وإذا ما نجحت هذه الخطوات، فقد تشكل بداية مسار أوسع لإعادة بناء شبكة النقل في سوريا على أسس أكثر كفاءة وتكاملًا.

في المحصلة، تعكس المباحثات السورية الإماراتية اتجاها متزايدا نحو ربط التعافي الاقتصادي بإصلاح البنية التحتية اللوجستية. فالنقل ليس مجرد خدمة مرافقة، بل عنصر محوري في تحريك الاستثمار ودعم التجارة وتقليل كلف التشغيل، وهو ما يجعل أي تقدم في هذا الملف ذا أثر مباشر على الاقتصاد.