06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

التضخم الأميركي يواصل الارتفاع مع صعود أسعار الطاقة ويعزز رهانات رفع الفائدة

قفز مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة إلى 4.1% في مايو، مدفوعاً بارتفاع الطاقة، بينما بقي إنفاق المستهلكين قوياً وعكست الأسواق توقعات أكثر تشدداً لمسار الفائدة.

تسارع جديد في أسعار المستهلكين

سجل المؤشر المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لقياس الضغوط التضخمية ارتفاعاً لافتاً في مايو، بعدما تجاوز مستوى 4 في المائة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، في إشارة إلى أن موجة الأسعار المرتبطة بالطاقة ما زالت قادرة على إعادة خلط حسابات السياسة النقدية في الولايات المتحدة.

وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية، ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 4.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3.8 في المائة في أبريل، متوافقاً مع توقعات المحللين. وعلى أساس شهري، سجل المؤشر زيادة قدرها 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية في بيئة اقتصادية لا تزال قوية نسبياً.

وجاءت هذه القفزة بعد صعود أسعار النفط والوقود في أعقاب التوتر العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أن تبدأ الأسواق في تسعير تهدئة لاحقة. وأظهر ذلك مجدداً أن أي صدمة في الطاقة يمكن أن تنتقل سريعاً إلى سلة الأسعار الأوسع، حتى في اقتصاد يواصل النمو.

التضخم الأساسي يبقى عنيداً

إلى جانب المؤشر العام، بقي التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، أعلى من المستوى المستهدف بكثير. فقد ارتفع هذا المقياس بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي، مقابل 3.3 في المائة في الشهر السابق، بينما زاد 0.3 في المائة على أساس شهري.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأنها تمثل المعيار الذي يراقبه الفيدرالي عن قرب عند تقييم مدى الاقتراب من هدفه البالغ 2 في المائة. ومع بقاء التضخم الأساسي في نطاق مرتفع، تصبح مهمة صانعي السياسة أكثر تعقيداً بين دعم النمو وكبح الأسعار.

وكان البنك المركزي الأميركي قد أبقى أسعار الفائدة الأسبوع الماضي ضمن نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، لكنه أشار في توقعاته الفصلية المحدثة إلى احتمال رفع إضافي قريباً. وتتعامل الأسواق حالياً مع هذا الاحتمال باعتباره خياراً مطروحاً بقوة في اجتماع سبتمبر، مع احتمال خطوة أخرى قبل نهاية العام إذا استمرت البيانات في الاتجاه نفسه.

الإنفاق الاستهلاكي يصمد رغم الضغوط

رغم ارتفاع تكاليف المعيشة، واصلت الأسر الأميركية الإنفاق بوتيرة قوية. فقد نما الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.7 في المائة في مايو، وهو ما يعادل ثلثي النشاط الاقتصادي في البلاد تقريباً، ويشير إلى أن الطلب المحلي ما زال أكثر متانة مما كان يتوقعه كثير من الاقتصاديين.

ويرجع هذا الأداء إلى مجموعة عوامل، من بينها الاستفادة من المستردات الضريبية المرتفعة، إلى جانب تحسن ثروة الأسر بفضل تعافي أسواق الأسهم. كما ساعد تراجع جزء من صدمة أسعار الوقود على تخفيف العبء المباشر على الموازنة اليومية للمستهلكين.

هذا الصمود في الإنفاق يدعم تقديرات بأن الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الربع الثاني قد ينمو بوتيرة تقترب من 3 في المائة. لكن هذا الزخم قد لا يستمر بالوتيرة نفسها في الربع الثالث، مع توقعات بتآكل المدخرات وتزايد أثر التضخم على نمو الأجور الحقيقية.

الأسواق تعيد التسعير بسرعة

أثارت البيانات موجة إعادة تقييم سريعة في الأسواق المالية، إذ انخفض الدولار الأميركي بعد أن قلص المستثمرون رهاناتهم على وتيرة خفض الفائدة، بينما استفاد الذهب من زيادة الإقبال عليه بوصفه ملاذاً للتحوط من التضخم وعدم اليقين.

وصعد الذهب إلى مستوى تاريخي جديد عند 4002.33 دولار للأوقية، في تحرك عكس حساسية السوق لأي إشارة تؤكد بقاء التضخم أعلى من المستويات المقبولة لفترة أطول. وفي الوقت نفسه، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 4.36 في المائة من 4.41 في المائة، ما منح بعض الدعم للأسهم ذات التقييم المرتفع.

أما الأسهم الأميركية، فقد شهدت تداولات متقلبة. وقلّصت العقود الآجلة خسائرها السابقة بعدما أظهرت البيانات أن الإنفاق الاستهلاكي ما يزال قوياً، رغم المخاوف من أن يؤدي تشديد السياسة النقدية لاحقاً إلى إبطاء النمو.

الذكاء الاصطناعي يقود جزءاً من المكاسب

في سوق الأسهم، برزت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي لبعض المكاسب. وقفز سهم شركة مايكرون تكنولوجي بعد نتائج فصلية فاقت التوقعات، سواء على مستوى الأرباح أو الإيرادات، إضافة إلى إشارات إلى نمو قوي في الربع الحالي.

كما عززت كوالكوم موجة التفاؤل في القطاع بعدما رفعت توقعاتها طويلة الأجل بفضل الطلب المتسارع على تقنيات الذكاء الاصطناعي، متوقعة أن تصل إيراداتها من الأنشطة خارج الهواتف المحمولة، بما في ذلك مراكز البيانات، إلى 40 مليار دولار بحلول 2029.

في المقابل، تعرض سهم أبل لضغوط بعد تقارير تحدثت عن زيادة أسعار عدد من منتجاتها، من بينها أجهزة ماك، بنسب تراوحت بين 15 في المائة و20 في المائة وفق تقديرات محللين، وسط ارتفاع مستمر في تكاليف المكونات.

قراءة أوسع لمشهد الاقتصاد الأميركي

تعكس هذه البيانات صورة مزدوجة للاقتصاد الأميركي: تضخم ما زال مرتفعاً بما يكفي لإبقاء الفيدرالي في وضع الحذر، وإنفاق استهلاكي لا يزال قادراً على دعم النمو في المدى القريب. وهذه المعادلة تجعل أي قرار بشأن الفائدة معتمداً على مزيج دقيق من بيانات الأسعار، وسوق العمل، وسلوك المستهلكين خلال الأشهر المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تظل أسواق المال شديدة الحساسية لأي إشارة من البنك المركزي قد تدل على أن الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة أطول. فكل قراءة تضخم أعلى من المتوقع تعيد إشعال النقاش حول تكلفة الاقتراض، وتزيد الضغط على الأصول ذات التقييم العالي، وتدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم بين الأسهم والسندات والذهب.

أما على الصعيد العالمي، فإن استمرار التضخم الأميركي عند مستويات مرتفعة لا ينعكس داخل الولايات المتحدة فقط، بل يمتد أثره إلى أسعار الصرف وتدفقات رأس المال وتوقعات البنوك المركزية الأخرى، التي تراقب بدورها الاتجاه العام للسياسة النقدية الأميركية بوصفه مرجعاً أساسياً لتسعير المخاطر المالية الدولية.