07-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تأجيل توسعات التكرير في الصين يضغط على الطلب العالمي ويكشف هشاشة الإمدادات

أجّلت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين كبيرين بعد اضطراب إمدادات النفط من الشرق الأوسط، في تطور يعكس أثر التوترات الجيوسياسية على قرارات الاستثمار والطاقة الإنتاجية في أكبر سوق استهلاكية آسيوية.

تأجيلات تعكس أثر الاضطراب الجيوسياسي على الاستثمار

أرجأت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين كبيرين كان يفترض أن يدخلا الخدمة خلال العام الحالي، بعد أن تسببت الاضطرابات في إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز في إعادة تقييم خطط التشغيل والشراء. ويأتي هذا التأخير في وقت تواجه فيه المصافي الصينية بيئة تشغيلية أكثر تعقيداً، تجمع بين ارتفاع أسعار الخام، وتراجع الطلب المحلي على الوقود، وتقلص هوامش الربح.

وتكشف هذه التطورات عن مدى حساسية قطاع التكرير الآسيوي للتقلبات الإقليمية، خصوصاً في بلد يعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتأمين الإمدادات، بل أيضاً بقدرة الشركات على الحفاظ على مستويات ربحية مقبولة في ظل القيود السعرية الحكومية وتغيرات أنماط الاستهلاك.

مشروعان بطاقة 500 ألف برميل يومياً خارج الجدول

التأجيلان يؤثران على طاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 500 ألف برميل يومياً. ويشمل ذلك مشروع «هابتو» للبتروكيماويات، وهو مشروع مشترك بين أرامكو السعودية ومجموعة نورينكو الصينية الحكومية للصناعات الدفاعية ومجموعة بانجين شينتشنغ الصناعية، حيث جرى إرجاء تشغيل المصفاة التي تبلغ طاقتها 300 ألف برميل يومياً في مدينة بانجين شمال شرقي الصين إلى سبتمبر أو أكتوبر المقبلين، بعدما كان من المخطط بدء التشغيل في مايو أو يونيو.

وتشير تقديرات استشارية إلى أن بدء التشغيل قد يحدث في النصف الثاني من الربع الثالث، في ضوء استمرار الضبابية المتعلقة بتدفقات المواد الخام المرتبطة بالوضع في مضيق هرمز. كما يتضمن المشروع وحدتين للصناعات التحويلية، إحداهما لتكسير الإيثيلين بطاقة 1.65 مليون طن سنوياً، والأخرى لإنتاج الباراكسيلين بطاقة مليوني طن سنوياً، ما يجعله مشروعاً ذا أهمية مزدوجة في التكرير والبتروكيماويات.

مصفاة داليان تواجه تأجيلاً غير محدد

في مشروع منفصل، أُجِّلت إعادة تشغيل وحدة تكرير في مصفاة داليان التابعة لشركة بتروتشاينا، والتي تبلغ طاقتها 200 ألف برميل يومياً، إلى أجل غير مسمى. وكانت الشركة تعتزم إعادة تشغيل الوحدة في منتصف العام للاستفادة من هوامش أرباح أفضل، مدفوعة بتكرير الخام الروسي بأسعار منخفضة. لكن تلك الفجوة السعرية تقلصت بدرجة كبيرة مع تعطل الإمدادات العالمية واشتداد المنافسة على الخام الروسي.

هذا التحول يعكس معادلة جديدة في سوق التكرير الصينية، إذ لم تعد المصافي قادرة على الاعتماد على فارق الأسعار وحده لتحقيق الربحية، بينما تضغط عليها عوامل أخرى مثل تباطؤ الاستهلاك وارتفاع تكلفة الخام وتزايد تعقيد سلاسل التوريد.

هوامش الربح تحت ضغط مزدوج

تراجع هوامش التكرير في الصين لا يرتبط فقط بالأزمات الجيوسياسية، بل أيضاً ببنية السوق المحلية. فأسعار الوقود ما زالت خاضعة لقيود حكومية تحد من مرونة التسعير، في حين يدفع نمو السيارات الكهربائية نحو تآكل تدريجي في الطلب على المشتقات النفطية. ونتيجة لذلك، أصبحت المصافي تواجه ضغطاً مزدوجاً: تكلفة خام أعلى، وإيرادات تشغيلية أقل قدرة على التعويض.

وبحسب البيانات الحكومية، انخفض معدل معالجة النفط في المصافي الصينية إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022. ويمثل هذا المعدل نحو 69 في المائة من الطاقة التشغيلية الإجمالية المقدرة عند 19.2 مليون برميل يومياً. هذه النسبة تعكس، بوضوح، أن الطاقة المتاحة لا تُستغل بالكامل، حتى في أكبر سوق تكرير آسيوية.

الهند تدخل السباق بطاقة جديدة

في المقابل، يبدو أن جزءاً كبيراً من الطاقة التكريرية الجديدة في آسيا هذا العام سيأتي من الهند. إذ من المتوقع أن تضيف شركتا هندوستان بتروليوم وإنديان أويل كورب، وكلاهما مملوكتان للدولة، نحو 526 ألف برميل يومياً من الطاقة التكريرية خلال العام.

لكن هذه الإضافات ليست خالية من التأخير أيضاً. فمشروع بارمر التابع لهندوستان بتروليوم، والبالغة طاقته 180 ألف برميل يومياً، تأخر عدة أشهر بسبب حريق، مع توقع بدء التشغيل بقدرة 60 في المائة فقط أولاً. كما أعلنت إنديان أويل كورب في وقت سابق أن أعمال التوسعة في مصافي باراوني وغوجارات وبانيبات ستُستكمل تباعاً خلال الأشهر الأخيرة من العام.

قراءة أوسع لسوق الطاقة الآسيوية

تعكس التطورات في الصين والهند مساراً أوسع في سوق الطاقة الآسيوية، حيث تتقاطع المشاريع الصناعية الكبرى مع تقلبات الإمداد العالمية والتحولات في الطلب المحلي. وفي حين ما تزال آسيا مركزاً أساسياً للنمو في طاقة التكرير، فإن بيئة التشغيل الحالية تكشف أن التوسع في السعة لا يضمن تلقائياً ارتفاع الإنتاج أو الأرباح.

فالاعتماد على سلاسل إمداد بعيدة جغرافياً، إلى جانب الحساسية العالية لأسعار الخام وتغيرات السياسة التجارية، يجعلان قرارات التشغيل أكثر تحفظاً. كما أن التحول التدريجي نحو المركبات الكهربائية والسياسات البيئية الأكثر صرامة يفرضان على شركات التكرير إعادة حسابات الاستثمار على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، لا تبدو التأجيلات الصينية مجرد مشكلات تشغيلية عابرة، بل مؤشراً على مرحلة أكثر تعقيداً في صناعة التكرير، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد الصناعي، وتتراجع اليقينيات التقليدية لصالح قرارات أكثر حذراً وانتقائية.