حذر المستثمرين يضغط على الأسهم الآسيوية
سجلت أسواق الأسهم في آسيا تراجعاً محدوداً في جلسة الاثنين، مع سعي المستثمرين إلى تقليص المخاطر قبل انطلاق موجة مهمة من الإفصاحات المالية لشركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وجاء الأداء الضعيف نسبياً بعدما فضّل المتعاملون الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الطفرة التقنية ستنعكس فعلاً على الأرباح، أم أن التقييمات المرتفعة سبق أن استوعبت جانباً كبيراً من التفاؤل.
ويعكس هذا التذبذب حالة أوسع في الأسواق العالمية، حيث تتداخل توقعات النمو في قطاع التكنولوجيا مع مخاوف السياسة النقدية وأسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية. ورغم أن المزاج العام لم يكن سلبياً بالكامل، فإن الاتجاه السائد اتسم بالحذر، لا سيما في الأسواق التي استفادت بقوة خلال الأشهر الماضية من موجة الرهان على الذكاء الاصطناعي والرقائق.
النفط يهدأ والأسواق تراقب تداعياته
أحد أبرز العوامل التي خففت التوتر في الأسواق العالمية كان استقرار حركة الشحن في مضيق هرمز، إلى جانب عدم ظهور انفراج واضح في المحادثات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي الوقت نفسه، أضاف تحالف «أوبك بلس» جرعة جديدة من الإمدادات إلى السوق بعد اتفاقه على رفع مستهدفات الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من أغسطس، بعد زيادات مماثلة في الشهرين السابقين.
انعكس ذلك على أسعار الخام، إذ اقترب خام برنت من أدنى مستوياته في أربعة أشهر، بينما تراجع الخام الأميركي كذلك. ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة لأنه يخفف ضغوط التضخم المحتملة، لكنه في المقابل قد يحد من زخم بعض أسهم الطاقة ويؤثر في توقعات العائدات في الأسواق الناشئة والسلع الأساسية.
ترقب لمحضر الفيدرالي وتغيرات في رهانات الفائدة
تحولت الأنظار أيضاً إلى السياسة النقدية الأميركية، بعدما دفعت بيانات الوظائف الأضعف من المتوقع وتراجع تكاليف الطاقة الأسواق إلى إعادة تسعير احتمالات رفع الفائدة في الأمد القريب. وتظهر تسعيرات العقود الآجلة أن المستثمرين يميلون إلى إبقاء الفائدة دون تغيير في الاجتماع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يحد من الضغط على الأصول عالية المخاطر.
ومن المرتقب صدور محضر الاجتماع الأخير للفيدرالي خلال الأسبوع، وهو حدث قد يمنح الأسواق إشارات إضافية حول مدى تمسك بعض الأعضاء بنبرة أكثر تشدداً، أو مدى استعدادهم لترك الباب مفتوحاً أمام التريث. وفي هذا السياق، يرى محللون أن الأسواق تتحرك حالياً في منطقة وسط بين احتمالات تثبيت الفائدة لفترة أطول وبين الرهان على أن التضخم سيتراجع بما يكفي لتخفيف التشديد النقدي.
الذكاء الاصطناعي يقود موسم الأرباح
يراهن المستثمرون هذا الأسبوع على أن نتائج الشركات ستقدم أدلة أوضح على متانة موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وتبقى الأنظار متجهة بشكل خاص إلى شركات الرقائق والتقنيات المرتبطة بالبنية التحتية للحوسبة، بعد أن أصبحت هذه الشركات في قلب التوقعات المتعلقة بالنمو والأرباح خلال النصف الثاني من العام.
ومن بين أبرز المحطات المنتظرة إعلان نتائج «سامسونغ إلكترونيكس»، حيث يتوقع محللون قفزة ضخمة في الأرباح التشغيلية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتستند هذه التوقعات إلى الطلب القوي على رقائق الذاكرة، إلى جانب شح الإمدادات في بعض الشرائح، وهو ما دعم الأسعار والأرباح في شركات متخصصة بسلسلة الإمداد التقنية.
وتدل هذه التقديرات على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قصة استثمارية نظرية، بل أصبح عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل الإيرادات وتوقعات الهامش الربحي لدى عدد من أكبر الشركات الصناعية والتكنولوجية في آسيا.
تباين في أداء البورصات الآسيوية والعالمية
على مستوى المؤشرات، تراجع المؤشر القياسي في كوريا الجنوبية، في حين هبط مؤشر «نيكي» الياباني، بينما سجل مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان انخفاضاً طفيفاً. أما الأسهم الصينية القيادية فبقيت شبه مستقرة، في إشارة إلى أن الضغوط لم تكن شاملة، بل ارتبطت بدرجة أكبر بإعادة التمركز قبيل نتائج الشركات الكبرى.
وفي أوروبا، لم تكن الصورة مختلفة كثيراً، إذ استقرت المؤشرات الرئيسة إلى حد كبير بعد أداء قوي في الأسبوع السابق، مع تحول بعض الاهتمام نحو صفقات الاندماج والاستحواذ. كما شهدت العقود الآجلة في الولايات المتحدة ارتفاعات محدودة، ما يعكس بقاء شهية المخاطرة قائمة، لكنها أكثر انتقائية مما كانت عليه في الأسابيع الماضية.
صفقات الاستحواذ تعزز قطاعات محددة في أوروبا
في الأسواق الأوروبية، برزت أخبار الشركات إلى الواجهة مع ارتفاع سهم «إيزي جيت» بعد موافقتها المبدئية على عرض استحواذ محسّن من شركة استثمار أميركية، في صفقة تعكس استمرار شهية رأس المال الخاص لاقتناص فرص في قطاع الطيران منخفض التكلفة. ودفعت هذه التطورات قطاع السفر والترفيه إلى الصعود، بعد أن استفاد المستثمرون من الإشارات المرتبطة بانحسار التوترات في الشرق الأوسط وتراجع أسعار الوقود.
وفي المقابل، شهدت بعض الأسهم الصناعية والتقنية تحركات متباينة على خلفية صفقات شراء أو إطلاق منتجات جديدة، ما يؤكد أن السوق الأوروبية تتفاعل في الوقت الراهن مع الأخبار الخاصة بكل شركة أكثر من تحركها ضمن اتجاه موحد.
السندات والعملات تحت تأثير الفيدرالي والطلب العالمي
امتدت حالة الترقب إلى أسواق السندات، حيث دعمت بيانات الطلبات الصناعية في ألمانيا وتراجع عوائد السندات الأميركية السندات الحكومية في عدد من الأسواق، ومنها الهند. كما ساعد تحسن توقعات موسم الأمطار هناك على تهدئة بعض مخاوف التضخم، الأمر الذي عزز الإقبال على أدوات الدين المحلية.
أما في سوق العملات، فقد تعرضت الروبية الهندية لضغوط بعد ضعف واسع في العملات الآسيوية وازدياد الطلب على الدولار من جانب مستوردي النفط والمتعاملين في المشتقات. وفي المقابل، بقي مؤشر الدولار مستقراً قرب أدنى مستوياته في أسبوعين، مع تخفيف المستثمرين رهاناتهم على تشديد سريع للسياسة النقدية الأميركية.
ما الذي يراقبه المستثمرون خلال الأيام المقبلة؟
تركز الأسواق في المدى القريب على ثلاثة محاور رئيسة: أولها نتائج شركات التكنولوجيا والرقائق، وثانيها محضر الفيدرالي الأميركي وما قد يكشفه عن اتجاه صناع السياسة النقدية، وثالثها مسار أسعار النفط وتأثيره في التضخم والنمو. هذه العوامل مجتمعة قد تحدد ما إذا كان التفاؤل في أسهم التكنولوجيا سيستمر أم سيتحول إلى موجة جني أرباح.
وبالنسبة للمستثمرين في الاقتصاد الرقمي، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت دورة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ستواصل دعم أرباح الشركات القيادية، أم أن السوق سيبدأ بمحاسبة القطاع على أساس العائد الفعلي من الاستثمارات الضخمة. وحتى الآن، تبدو الرسالة الأوضح أن الأسواق لا تزال تؤمن بالقصة الكبرى، لكنها باتت تطالب بأرقام أكثر إقناعاً.