07-Jul-2026 5 دقائق قراءة

مهرجان 618 في الصين يكشف تراجع الاستهلاك وصعود الذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية

يظهر مهرجان التسوق الصيني «618» هذا العام مؤشرات واضحة على ضعف الطلب الاستهلاكي، مع انتقال المنصات الكبرى إلى تخفيضات أقل حدة وتركيز أكبر على الهوامش الربحية، بالتوازي مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تجربة التسوق.

موسم تخفيضات أقل صخباً

تقترب النسخة الأحدث من مهرجان التسوق الصيني «618» من نهايتها بإيقاع أهدأ بكثير مما اعتادته السوق في السنوات السابقة، في مؤشر يعكس ضعف ثقة المستهلكين وتراجع الزخم الذي كان يميز أكبر مواسم الشراء عبر الإنترنت في البلاد. وعلى الرغم من أن الحدث لا يزال يمثل أحد أهم المواعيد السنوية لشركات التجارة الإلكترونية، فإن دوره كمحرك مباشر للإنفاق الاستهلاكي يبدو اليوم أقل وضوحاً مما كان عليه في الماضي.

وكان هذا المهرجان في بداياته مناسبة ليوم واحد ارتبطت بذكرى تأسيس «جيه دي دوت كوم»، قبل أن يتحول إلى حملة ممتدة لأسابيع تشارك فيها المنصات الكبرى بعروض واسعة النطاق. غير أن اتساع فترة التخفيضات لم يترجم بالضرورة إلى حماسة أكبر من جانب المتسوقين، خصوصاً في بيئة اقتصادية ما زالت تعاني آثار أزمة العقارات وتباطؤ الطلب الداخلي، إلى جانب الضغوط الناجمة عن التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وما تفرضه من قلق على الوظائف والدخل.

ضعف الطلب يغيّر سلوك المستهلكين

تشير المؤشرات المتوافرة إلى أن المستهلك الصيني بات أكثر تحفظاً في إنفاقه خلال مواسم التخفيضات، إذ لم تعد العروض الكثيفة كافية لدفع الأسر إلى الشراء بالمستوى نفسه الذي كان سائداً قبل سنوات. وتنعكس هذه الحالة في سلوك يومي أكثر انتقائية، حيث يركز المتسوقون على السلع الضرورية أو على المشتريات المؤجلة بالفعل، بدلاً من الاندفاع نحو التخزين أو الشراء الاستباقي.

وتعكس البيانات الرسمية الأخيرة هذا التباطؤ بوضوح، بعدما انخفضت مبيعات التجزئة في مايو بنسبة 0.6 في المائة على أساس سنوي، وهو أول تراجع من نوعه منذ ديسمبر 2022. كما ظهرت هبوطات حادة في مشتريات السيارات والأجهزة المنزلية والأثاث والمجوهرات ومواد البناء، رغم الإجراءات الحكومية التي استهدفت دعم الطلب على السلع الكبيرة. وهذا التراجع يقدم خلفية مهمة لفهم فتور مهرجان 618 هذا العام، باعتباره امتداداً لمشهد استهلاكي أوسع لا يقتصر على قطاع التجارة الإلكترونية وحده.

عروض أطول وخصومات أقل حدة

بدأت حملات 618 هذا العام على منصات مثل «جيه دي دوت كوم» و«تي مول» التابعة لـ«علي بابا» في منتصف مايو، على أن تستمر حتى 20 أو 21 يونيو، أي لما يقرب من 40 يوماً. ويمثل ذلك تمديداً إضافياً عن العام الماضي، الذي كان بدوره أطول من نسخة 2024. لكن إطالة فترة الحملة لم تعد تعني بالضرورة زيادة موازية في الحماسة الشرائية، بل باتت تعكس أيضاً صعوبة الحفاظ على الإقبال عبر الاعتماد على الحسومات وحدها.

ومع أن إجمالي قيمة البضائع المباعة خلال مهرجان العام الماضي ارتفع 15 في المائة ليصل إلى 855.6 مليار يوان، فإن الإنفاق اليومي تراجع، ما يشير إلى أن نمو القيمة الإجمالية ارتبط بشكل كبير بطول الحملة لا بقوة الطلب الفعلية. أما هذا العام، فيتوقع محللون نمواً لا يتجاوز النسبة الأحادية المنخفضة في الإيرادات، وهو ما يعكس واقعية أكبر في التقديرات مقارنة بالسنوات التي كانت فيها المنافسة على العروض أكثر شراسة.

وتقول منصات كبرى إن الرسالة الواضحة هذا العام هي تفضيل الربحية على سباق الأرقام. وضمن هذا الاتجاه، أصبح الحدث أقل ارتباطاً بالحسومات الصاخبة وأكثر انضباطاً من حيث إدارة الأسعار وهوامش الربح، في ظل تشديد السلطات الصينية الرقابة على الممارسات التنافسية التي أدت سابقاً إلى خصومات مفرطة وضغط كبير على الموردين والعلامات التجارية.

من سباق الخصومات إلى ضبط الهوامش

يمثل التحول الحالي في مهرجان 618 انعكاساً لمعادلة جديدة في التجارة الإلكترونية الصينية، حيث لم تعد المنصات تتنافس فقط على استقطاب أكبر عدد من الطلبات، بل على تحسين جودة المبيعات وتقليص خسائر العروض الترويجية. وفي هذا السياق، تسعى الشركات إلى إبراز أن الموسم لم يعد مجرد حلبة لتصفية المخزون بأي ثمن، بل أداة لاختبار قدرة العلامات التجارية على تحقيق أداء مستدام.

ويرى خبراء في قطاع التجزئة أن الهدوء النسبي في المبيعات ليس بالضرورة مؤشراً سلبياً بالكامل، لأنه قد يدل على عودة أنماط الاستهلاك إلى مستويات أكثر طبيعية بعد سنوات من القفزات المصطنعة التي تغذيها الحوافز الضخمة. لكن هذا التفسير لا يلغي حقيقة أن المستهلك الصيني يواجه ضغوطاً فعلية تتعلق بضعف الثقة في سوق العمل وتراجع الرغبة في الإنفاق على السلع غير الأساسية.

ويزيد من أهمية هذا الموسم أنه يأتي في وقت تواصل فيه بكين البحث عن وسائل لتحفيز الطلب المحلي دون الإضرار باستقرار الأسواق. ولذلك تبدو المنصات اليوم تحت ضغط مزدوج: إظهار القدرة على خلق نمو تجاري من جهة، والالتزام بسياسات أكثر انضباطاً من جهة أخرى، بما يتماشى مع التوجهات التنظيمية الجديدة.

الذكاء الاصطناعي يدخل اختبار السوق

إلى جانب كونه مؤشراً على صحة الاستهلاك، تحول مهرجان 618 إلى ساحة اختبار لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتسابق شركات التجارة الإلكترونية على دمجها في رحلة الشراء. فقد توسع استخدام هذه الأدوات في النصف الأول من 2026، مع سعي المنصات إلى تحويل التجربة من تصفح تقليدي إلى محادثة أكثر سلاسة وذكاءً تساعد المستخدم على البحث والمقارنة واتخاذ القرار.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك دمج «علي بابا» نموذجها «كوين» داخل منظومة «تاوباو»، بحيث يمكن للمستهلك التفاعل مع مساعد ذكي للعثور على المنتجات ومقارنتها وشرائها عبر المحادثة بدلاً من التنقل اليدوي بين القوائم. وهذه الخطوة تعكس مساراً أوسع تتنافس فيه الشركات على جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً عملياً من التحويل البيعي، وليس مجرد أداة خلفية لتحليل البيانات.

ويؤكد محللون أن هذا التطور يضيف بعداً تقنياً جديداً لمهرجان 618، إذ أصبح الحدث ليس فقط مقياساً لحجم الاستهلاك، بل أيضاً مؤشراً على سرعة تبني المستخدمين للأدوات الرقمية داخل التجارة الإلكترونية. وبذلك، تتحول المنافسة بين المنصات إلى سباق مزدوج: سباق على الطلب في سوق متباطئة، وسباق على امتلاك أفضل تجربة رقمية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

ما الذي تعنيه النتائج للسوق الصينية؟

تكشف تجربة 618 لهذا العام أن الاقتصاد الاستهلاكي في الصين يدخل مرحلة أكثر تعقيداً. فمن ناحية، تظل التجارة الإلكترونية من أكثر القطاعات قدرة على الابتكار والتكيّف مع السلوك الشرائي الجديد. ومن ناحية أخرى، يفرض ضعف الثقة وتباطؤ القطاعات المرتبطة بالإسكان والتوظيف سقفاً منخفضاً على شهية الشراء، مهما كانت العروض أو حملات التسويق مكثفة.

كما يشير المشهد إلى أن الشركات الكبرى لم تعد تكتفي بقياس النجاح بعدد الطلبيات أو حجم التخفيضات، بل تنظر إلى مدى قدرتها على رفع الكفاءة وتحسين الربحية واستخدام التقنية لتقليل تكلفة الاستحواذ على العملاء. وفي هذا المعنى، يصبح مهرجان 618 مختبراً لاتجاهات أوسع في الأعمال والاقتصاد الرقمي بالصين، من إعادة تشكيل سلوك المستهلك إلى دمج الذكاء الاصطناعي في صميم التجارة.

ومع انتظار صدور البيانات النهائية للموسم خلال الأيام المقبلة، ستراقب السوق ليس فقط حجم المبيعات، بل أيضاً ما إذا كان هذا الهدوء النسبي بداية لمرحلة أكثر عقلانية في التسوق الرقمي، أم أنه مجرد انعكاس مؤقت لاقتصاد لا يزال يبحث عن محرك جديد للنمو الاستهلاكي.