الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ستاندرد آند بورز تحذر من تأثير ارتفاع النفط على اقتصاد جنوب أفريقيا المعتمد على الاستهلاك

حذرت ستاندرد آند بورز من أن صعود أسعار النفط، المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، قد يضغط على التضخم والإنفاق في جنوب أفريقيا ويزيد صعوبة ضبط المالية العامة.

تحذير جديد من تأثيرات أسعار الطاقة

حذرت وكالة التصنيف الائتماني العالمية ستاندرد آند بورز من أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط، إذا تواصل بفعل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، قد يضيف عبئاً جديداً على اقتصاد جنوب أفريقيا الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي.

وترى الوكالة أن أي صدمة إضافية في الطاقة لن تتوقف عند فاتورة الوقود فقط، بل قد تمتد إلى التضخم وأسعار الغذاء وكلفة الاقتراض، في وقت تحاول فيه الحكومة الحفاظ على توازن هش في المالية العامة وتحسين مسار النمو.

ويأتي هذا التحذير في لحظة حساسة للاقتصاد الجنوب أفريقي، حيث يواجه البلد منذ سنوات مزيجاً من النمو الضعيف، والبطالة المرتفعة، وضعف الاستثمار، وهو ما يجعل أي ارتفاع في كلفة الطاقة أكثر إيلاماً مقارنة باقتصادات ناشئة أخرى.

اقتصاد هش أمام صدمات النفط

قال مسؤول في الوكالة خلال مؤتمر اقتصادي في جوهانسبرغ إن جنوب أفريقيا تبدو حالة غير مألوفة بين الاقتصادات النظيرة، إذ تعاني من ضعف نمو مزمن ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة وفرص العمل والطلب الداخلي.

وبحسب هذا التقييم، فإن الاقتصاد المحلي لا يملك هامش امتصاص واسعاً أمام ارتفاع أسعار النفط، لأن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي يرتبط بالاستهلاك، بينما لا تزال قطاعات الإنتاج والتصدير غير قادرة على توليد زخم كافٍ يعوض أي تراجع في القوة الشرائية.

هذا التشخيص يضع السياسة الاقتصادية في جنوب أفريقيا أمام معادلة صعبة: الحفاظ على الانضباط المالي من جهة، وتجنب خنق الطلب المحلي من جهة أخرى، خصوصاً إذا اضطرت السلطات النقدية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

تثبيت التصنيف مع بقاء المخاطر

أبقت ستاندرد آند بورز تصنيف جنوب أفريقيا الائتماني عند مستوى بي بي للعملات الأجنبية وبي بي+ للعملات المحلية، بعد أن كانت قد رفعت تقييمها في نوفمبر الماضي للمرة الأولى منذ نحو عقدين، مستندة آنذاك إلى تحسن التضخم والنمو والانضباط المالي.

ورغم هذا التثبيت، فإن الوكالة لا تبدو مطمئنة بالكامل إلى مسار الاقتصاد في الأشهر المقبلة، إذ ترى أن استمرار الضغوط على أسعار الطاقة قد يعيد فتح ملفات التضخم والإنفاق العام والعجز المالي، ما قد يحد من أي تقدم تحقق مؤخراً.

ويعكس هذا الموقف نهجاً حذراً من وكالات التصنيف التي تراقب قدرة الحكومة على تثبيت المؤشرات المالية من دون التضحية بالنشاط الاقتصادي أو دفع الأسر والشركات إلى مزيد من الضغط.

توقعات أعلى للنفط وتأثيرات واسعة

رفعت الوكالة تقديراتها لسعر النفط إلى 100 دولار للبرميل خلال بقية العام، ثم 75 دولاراً في العام المقبل، مشيرة إلى أن هذه المستويات قد تترك آثاراً مباشرة على التضخم وتكاليف الأسمدة والنقل والغذاء.

في اقتصاد مثل جنوب أفريقيا، لا تبقى هذه الآثار محصورة في سوق الطاقة، لأن أي زيادة في تكاليف الوقود تنتقل سريعاً إلى السلع الاستهلاكية وسلاسل الإمداد، ثم إلى الإنفاق الأسري الذي يمثل عنصراً رئيسياً في النمو.

كما أن كلفة المدخلات الزراعية قد ترتفع مع صعود أسعار الأسمدة والنقل، وهو ما يضيف ضغطاً على أسعار الغذاء ويؤثر في مستويات المعيشة، خاصة بين الشرائح الأكثر حساسية لتقلبات الأسعار.

البنك المركزي يواجه معضلة صعبة

أشارت تقديرات السوق إلى أن التضخم في جنوب أفريقيا خلال أبريل ارتبط بدرجة كبيرة بأسعار الطاقة، الأمر الذي دفع البنك المركزي إلى التحرك سريعاً عبر رفع أسعار الفائدة.

لكن هذه الاستجابة لا تخلو من كلفة، لأن تشديد السياسة النقدية يرفع عبء الاقتراض على الأسر والشركات، وقد يؤدي إلى تباطؤ إضافي في الاستهلاك والاستثمار. وبذلك يصبح البنك المركزي أمام معادلة معقدة بين كبح التضخم وتفادي إضعاف النمو أكثر.

ويخشى محللون من أن استمرار ارتفاع الطاقة لفترة أطول قد يفرض على السلطات النقدية إبقاء السياسة مشددة، حتى لو كانت هذه الخطوة تزيد من صعوبة التعافي الاقتصادي وتؤخر تحسن الطلب المحلي.

السياسة المالية تحت ضغط محدودية النمو

ترى ستاندرد آند بورز أن ضعف النمو لا يضر بالاقتصاد الحقيقي فقط، بل يضغط أيضاً على المالية العامة عبر تراجع الإيرادات الضريبية وصعوبة خلق الوظائف. ومع استمرار هذا النمط، تصبح الحكومة مضطرة إلى التعامل مع عجز مزدوج: عجز في النشاط وعجز في الموارد.

وتبقى تخفيضات ضريبة الوقود، بحسب تقييم الوكالة، محايدة مالياً إلى حد كبير لأن خسائرها جرى تعويضها بإيرادات من سلع أخرى، إلا أن هامش المناورة يظل محدوداً إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر أو اتسعت الفجوة بين الإيرادات والنفقات.

وتشير الوكالة إلى أن خيار تمديد بعض التسهيلات مع لاحقاً إعادة ضبط المسار المالي ما زال مطروحاً، لكنه ليس حلاً نهائياً، بل مجرد أداة مؤقتة لإدارة صدمة الأسعار.

البنية التحتية لا تكفي وحدها لتغيير المسار

في الجانب الهيكلي، رأت ستاندرد آند بورز أن التقدم في مشاريع شركة ترانسنت وفي مشاركة القطاع الخاص داخل الموانئ يسير بوتيرة بطيئة، ولا يبدو حتى الآن قادراً على إحداث تحول سريع في النمو.

ويعني ذلك أن تحسن البنية التحتية، رغم أهميته، لن يكون وحده كافياً لتعويض أثر ارتفاع الطاقة أو علاج نقاط الضعف الأساسية في الاقتصاد. فجنوب أفريقيا تحتاج، وفق هذا التقييم، إلى بيئة أوسع تدعم الإنتاجية والاستثمار والقدرة على خلق الوظائف.

كما لفتت الوكالة إلى أن البلد يفتقر إلى استراتيجية نمو شاملة ومتماسكة، مقارنة بدول أخرى تراهن على الابتكار والشركات عالية النمو كمحركات للتوسع الاقتصادي. وفي المقابل، يظل التركيز المحلي منصباً بدرجة كبيرة على إدارة الأزمات اليومية أكثر من بناء مسار نمو طويل الأجل.

تحديات المرحلة المقبلة

المحصلة أن ارتفاع النفط لا يمثل مجرد تطور خارجي لجنوب أفريقيا، بل عامل ضغط متعدد الاتجاهات قد يعيد تشكيل التضخم والسياسة النقدية والميزانية العامة في وقت واحد. وإذا استمرت التوترات الجيوسياسية في دعم الأسعار المرتفعة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام بيئة أكثر صعوبة مما كانت تتوقعه عند بدء تحسينات التصنيف الأخيرة.

وفي ظل اقتصاد يعتمد على الاستهلاك ويعاني من نمو ضعيف، تبدو حساسية جنوب أفريقيا تجاه صدمات الطاقة أعلى من المعتاد. ولهذا السبب، فإن أي ارتفاع إضافي في النفط قد يتحول بسرعة من خبر في أسواق السلع إلى اختبار واسع للسياسات الاقتصادية والقدرة على الصمود المالي.