09-Jul-2026 6 دقائق قراءة

بعد 10 سنوات على بريكست: مصدّرو بريطانيا يعيدون رسم خرائط التجارة بعيداً عن الاتحاد الأوروبي

بعد عقد على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما تزال شركات التصدير البريطانية تدفع ثمن القيود الجمركية والبيطرية، بينما تتجه بعض الشركات الغذائية إلى أسواق آسيوية لتعويض خسارة السوق الأوروبية.

بعد مرور عشر سنوات على تصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي، ما تزال الشركات المصدّرة في المملكة المتحدة تتعامل مع آثار اقتصادية ممتدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الامتثال، وتباطؤ حركة الشحن، وصعوبة الحفاظ على موطئ قدم في السوق الأوروبية التي كانت في السابق منفذها الطبيعي الأول.

القصة الأوضح تظهر في قطاع الأغذية، حيث اضطرت شركات عديدة إلى إعادة ترتيب استراتيجياتها التجارية بالكامل. بعض المنتجين الذين كانوا يعتمدون على التصدير السريع إلى فرنسا وأيرلندا وإسبانيا وجدوا أنفسهم أمام نماذج تشغيل مختلفة تماماً، تشمل شهادات بيطرية إلزامية، وإجراءات جمركية أكثر تعقيداً، وتأخيرات تقلّص تنافسية البضائع الطازجة.

في مدينة تيلفورد بوسط إنجلترا، تحوّلت إحدى شركات تصنيع الجبن من الاعتماد على أوروبا إلى التطلع نحو آسيا. الشركة التي كانت تراهن على نمو سريع داخل القارة الأوروبية لم تتمكن من استئناف صادراتها الخارجية إلا بعد سنوات، لتبدأ لاحقاً في بناء قاعدة عملاء في هونغ كونغ، مع خطط للتوسع نحو ماليزيا وفيتنام وتايلاند والصين.

تكاليف أعلى أجبرت الشركات على تغيير الوجهة

قبل بريكست، كانت بعض الشحنات الغذائية البريطانية تصل إلى الأسواق الأوروبية خلال أيام قليلة، ما سمح للشركات ببناء سلاسل توريد سريعة ومرنة. لكن بعد دخول القيود الجديدة حيز التنفيذ، ارتفعت التكاليف الإدارية والتشغيلية إلى مستوى جعل الاستمرار في التصدير إلى الاتحاد الأوروبي أقل جدوى لبعض الشركات المتوسطة والصغيرة.

من بين البنود التي أثقلت كاهل المصدرين، فحوصات بيطرية إلزامية قد تصل كلفتها إلى مئات الجنيهات لكل عملية تفتيش، إلى جانب حزم واسعة من المستندات الإدارية والالتزامات الحدودية. وبالنسبة إلى السلع الحساسة زمنياً مثل الألبان والجبن والمنتجات المبردة، فإن أي تأخير إضافي قد ينعكس مباشرة على الأسعار والهوامش الربحية.

بعض الشركات وجدت أن تصدير حاوية كاملة إلى أسواق بعيدة مثل شرق آسيا لا يكلّفها إدارياً أكثر من شحن كميات صغيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي. هذا الاختلال في الكلفة غيّر معادلة التجارة، ودفع عدداً من الشركات إلى إعادة توزيع مواردها نحو أسواق أبعد لكنها أقل تعقيداً من الناحية التنظيمية.

الصادرات الغذائية إلى أوروبا تتراجع

القطاع الغذائي كان من بين الأكثر تأثراً منذ خروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة. الأرقام المتاحة تشير إلى تراجع كبير في أحجام الصادرات الغذائية البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي بين 2021 و2025 مقارنةً بالسنوات الخمس التي سبقت بريكست، وهو ما يعكس الأثر التراكمي للرسوم، والقيود الصحية، وتكاليف عبور الحدود.

كما تراجعت أعداد الشركات الصغيرة التي كانت تصدّر إلى أوروبا، إذ خرج نحو عشرات الآلاف من المصدّرين الصغار من هذا المسار التجاري خلال السنوات الأخيرة. هذا الانسحاب لم يقتصر على الشركات الضعيفة فقط، بل شمل أيضاً مؤسسات كانت تتمتع بنمو مستقر قبل أن تغيّر بيئة التجارة الجديدة قواعد اللعبة.

وفي حين وقّعت لندن اتفاقات تجارة مع دول مثل أستراليا والهند، فإن هذه الاتفاقات لا تبدو كافية لتعويض حجم الفاقد في التجارة مع القارة الأوروبية، سواء من حيث القيمة أو من حيث القرب الجغرافي وسهولة الوصول التي كانت تمنح الشركات البريطانية أفضلية واضحة.

الأثر الاقتصادي يتجاوز حدود التصدير

التبعات لا تتعلق فقط بتراجع الصادرات. فالغموض الذي صاحب مرحلة ما بعد بريكست، ثم استمرار الجدل حول السياسات التجارية، أثّرا أيضاً في قرارات الاستثمار داخل المملكة المتحدة. كثير من الشركات أصبحت أكثر حذراً في توسيع الطاقة الإنتاجية أو بناء خطوط تصدير جديدة، بسبب صعوبة التنبؤ بالبيئة التنظيمية على المدى المتوسط.

الضغوط الاقتصادية الأوسع ساهمت في تعقيد المشهد كذلك. فالمملكة المتحدة تعيش منذ سنوات طويلة نمواً اقتصادياً ضعيفاً مقارنة بالحقبة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، وبريكسـت أضاف طبقة جديدة من القيود فوق مشكلات قائمة أصلاً، من بينها ضعف الاستثمار وارتفاع فواتير الطاقة وتغيرات الضرائب.

وتشير تقديرات رسمية ودراسات بحثية إلى أن الاقتصاد البريطاني سيكون أصغر مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت البلاد داخل الاتحاد الأوروبي. بعض التقديرات ترى أن الفجوة قد تصل إلى عدة نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، وهو ما يعادل خسارة مئات المليارات من الجنيهات بالقيمة الحالية.

جدل مستمر حول حجم الضرر

رغم اتساع الأدلة على تراجع بعض المؤشرات التجارية، لا يزال الجدل قائماً بين الاقتصاديين حول حجم الضرر الفعلي لبريكست. فهناك من يرى أن الانخفاض في التجارة والاستثمار انعكاس مباشر لانفصال السوق البريطانية عن السوق الأوروبية، بينما يعتبر آخرون أن الضغوط الضريبية والتنظيمية وأسعار الطاقة المرتفعة لعبت دوراً أكبر مما يُنسب عادةً إلى بريكست وحده.

المناقشة الاقتصادية لم تعد نظرية فقط، بل باتت مرتبطة بسلوك الشركات اليومية. فقرارات التوظيف، والاستثمار في المعدات، وتوسيع الأسواق الخارجية أصبحت جميعها تتأثر بمدى وضوح العلاقة التجارية مع أوروبا. وفي هذا السياق، يرى عدد من المصدرين أن أي تحسن في القواعد التنظيمية سيكون مفيداً، لكن من غير المرجح أن يمحو سنوات من الحذر والتأجيل.

مقارنة لافتة مع أيرلندا الشمالية

في مقابل الصعوبات التي تواجهها الشركات في إنجلترا وويلز واسكتلندا، تبدو أيرلندا الشمالية في وضع مختلف نسبياً بفضل ترتيبات خاصة سمحت لها بالحفاظ على وصول أوسع إلى سوق الاتحاد الأوروبي عبر حدودها مع جمهورية أيرلندا. هذه الاستثناءات جعلت بعض الشركات هناك أكثر قدرة على الاستمرار في التجارة عبر الحدود.

شركات الألبان والمشروعات الصغيرة في أيرلندا الشمالية استفادت من موقعها الجغرافي ومن الترتيبات التي أبقت تدفق البضائع إلى دبلن أكثر سلاسة من بقية المملكة المتحدة. ورغم أن هذه الشركات تواجه أيضاً بعض التعقيدات في السلع القادمة من بريطانيا، فإنها ما تزال أقرب إلى نموذج تجارة أقل احتكاكاً من نظرائها في بقية الجزر البريطانية.

هذا الاختلاف انعكس على الأداء الاقتصادي أيضاً، إذ أظهرت البيانات أن اقتصاد أيرلندا الشمالية نما بوتيرة أفضل من أجزاء أخرى من المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، بينما بقيت إنجلترا عند معدلات نمو أبطأ وأكثر تقلباً.

الانفتاح التجاري ما زال ملفاً مفتوحاً

مع استمرار الحكومة البريطانية في محاولة تخفيف الاحتكاك مع الاتحاد الأوروبي، يبقى ملف التجارة بعد بريكست مفتوحاً على تعديلات جديدة، خصوصاً في ما يتعلق بالمعايير الصحية والبيطرية. أي تقارب إضافي قد يخفف بعض الأعباء عن المصدرين، لكنه لن يعيد بسهولة الوضع الذي كان قائماً قبل الانفصال.

بالنسبة إلى الشركات، المعادلة اليوم ليست سياسية بقدر ما هي تشغيلية: أين يمكن البيع بكلفة أقل؟ وأي الأسواق تسمح بهوامش ربح مستقرة؟ وأين يمكن تجنب التعقيدات التنظيمية التي تجعل التجارة قصيرة المسافة أقل جاذبية من الشحن البعيد؟

بعد عقد كامل، يبدو أن بريكست لم يكن مجرد حدث سياسي أنهى عضوية دولة في تكتل اقتصادي، بل تحول إلى عامل أعاد تشكيل خريطة التجارة البريطانية، وفرض على المصدرين إعادة تعريف معنى النمو والوصول إلى الأسواق. وفي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الشركات تتأقلم مع الواقع الجديد، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت بريطانيا ستتمكن من بناء نموذج تصدير أكثر استقراراً، أم أن آثار الانفصال ستظل تحدّ من إمكاناتها لسنوات أخرى قادمة.