سجلت تركيا في يونيو تباطؤاً محدوداً في وتيرة ارتفاع الأسعار، بعدما خففت أسعار الطاقة بعض الضغط على مؤشر المستهلكين، في تطور يمنح صناع السياسة النقدية هامشاً صغيراً للتحرك، لكنه لا يغيّر الصورة العامة لاقتصاد ما زال يواجه تضخماً مرتفعاً وتوقعات غير مستقرة.
ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.99% على أساس شهري في يونيو، بينما تراجع المعدل السنوي إلى 32.11%، في أول إشارة واضحة إلى انحسار نسبي بعد موجة تسارع استمرت شهرين.
وأظهرت الأرقام أيضاً أن مؤشر أسعار المنتجين المحليين ارتفع 1.80% على أساس شهري، ليصل معدل زيادته السنوية إلى 28.09%، في حين بلغت نسبة التضخم في الإيجارات 32.24%، ما يعكس استمرار الضغوط في بعض مكونات السلة الاستهلاكية رغم تراجع كلفة الطاقة.
الطاقة تقود التراجع النسبي
يرتبط التحسن المحدود في القراءة الشهرية بانخفاض كلفة الطاقة، بعد أن تأثرت تركيا، بصفتها من كبار مستوردي النفط والغاز الطبيعي، بارتفاع الأسعار العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز لفترة من الزمن.
وجاء التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه أيضاً ليحد من سرعة التضخم خلال يونيو، وفق ما أظهرته البيانات، إلى جانب هبوط أسعار الوقود الذي خفف العبء على المستهلكين والشركات معاً.
وكان التضخم قد ارتفع في مايو بنسبة 1.71% شهرياً و32.61% سنوياً، بعد قفزة أكبر في أبريل بلغت 4.18% نتيجة اضطرابات أسعار الطاقة المرتبطة بحرب إيران، ما يجعل قراءة يونيو أقرب إلى استعادة جزئية لمسار الانحسار وليس تحولاً كاملاً في الاتجاه.
فجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرات المستقلة
رغم ما أظهرته الإحصاءات الحكومية، قدمت «مجموعة أبحاث التضخم» المستقلة، التي تضم أكاديميين وخبراء اقتصاد أتراك، تقديراً أعلى بكثير، إذ قالت إن التضخم الشهري في يونيو بلغ 1.49%، بينما وصل المعدل السنوي إلى 51.49%.
وتعكس هذه الفجوة المستمرة بين البيانات الرسمية والتقديرات المستقلة حجم الجدل الدائر حول قياس التضخم في تركيا، وتأثيره على توقعات الأسر والشركات والمستثمرين في آن واحد.
كما سجلت إسطنبول، أكبر مدن البلاد ومركزها الاقتصادي، تضخماً شهرياً بنسبة 1.14% في يونيو، مع معدل سنوي وصل إلى 35.94%، بحسب غرفة تجارة إسطنبول. وتظل بيانات المدينة مؤشراً مهماً لزخم الأسعار في السوق المحلية، نظراً لثقلها في النشاط التجاري والاستهلاكي.
البنك المركزي بين كبح التضخم ومخاطر الطاقة
تؤكد هذه التطورات أن البنك المركزي التركي ما زال يعمل في بيئة صعبة، إذ إن مسار خفض التضخم يتأثر سريعاً بأي تقلبات في أسعار السلع الأساسية أو الطاقة. وخلال الأشهر الماضية، واجهت السلطات النقدية ضغوطاً متزايدة من الشركات والمصارف بسبب بطء تراجع الأسعار مقارنة بالتوقعات السابقة.
وأوقف البنك المركزي في مارس دورة التيسير النقدي، في خطوة فُهمت عملياً على أنها تشديد غير معلن، وواصل تمويل البنوك عند مستوى 40% بدلاً من سعر الفائدة الرئيسي البالغ 37%، في محاولة للحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية.
وقال وزير الخزانة والمالية محمد شيمشيك إن انخفاض التضخم الشهري في يونيو يعكس عودة مسار الانحسار الذي تعطّل مؤقتاً بفعل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مضيفاً أن أسعار المواد الغذائية استفادت من تحسن نسبي في أسعار الفاكهة والخضراوات الطازجة، وأن هبوط الوقود دعم توقعات التضخم أيضاً.
وأشار شيمشيك إلى أن الحكومة تواصل السياسات الرامية إلى تحقيق استقرار دائم للأسعار، مع توقع استمرار التراجع في النصف الثاني من العام إذا استقرت أسعار السلع الأساسية وتحسنت ممارسات التسعير وتراجعت ضغوط الإيجارات والطلب.
توقعات أقل تشاؤماً لكن الحذر مستمر
من جانبه، قال نائب الرئيس التركي جودت يلماظ إن التحسن في المناخ العالمي، إلى جانب الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تخفيف التوترات الجيوسياسية، قد يحدان من الضغوط على أسعار الطاقة والسلع خلال الأشهر المقبلة. وأضاف أن تقلبات هذه الأسعار قد تبطئ خفض التضخم أحياناً، لكنها لا تبدل الاتجاه الرئيسي المتوقع على المدى المتوسط.
وتشير التقديرات السائدة في السوق إلى أن التضخم قد ينخفض إلى ما دون 30% بنهاية العام، وهو مستوى ما يزال أعلى من هدف البنك المركزي، وأقل تفاؤلاً من تقديره الرسمي البالغ 26%.
أما في استطلاع توقعات المشاركين في السوق الذي نشره البنك المركزي في يونيو، فجاءت توقعات التضخم الشهري عند 1.36%، بينما استقرت توقعات نهاية العام عند 29.14%، ما يعكس استمرار الحذر لدى المستثمرين بشأن سرعة الهبوط المقبلة.
عجز التجارة الخارجية يضيف ضغطاً جديداً
بالتوازي مع ملف التضخم، سجلت تركيا في يونيو عجزاً في التجارة الخارجية بلغ 10.38 مليارات دولار، في مؤشر إضافي على استمرار التحديات المرتبطة بالواردات المرتفعة وكلفة الطاقة.
وقال وزير التجارة عمر بولاط إن الصادرات التركية في يونيو بلغت 24.94 مليار دولار، مقابل واردات وصلت إلى 35.3 مليار دولار. وخلال الأشهر الستة الأولى من العام، ارتفعت الصادرات 3.6% على أساس سنوي إلى 136.06 مليار دولار، بينما زادت الواردات 4.6% إلى 189.15 مليار دولار.
ويعكس هذا التطور اتساع الفاتورة الاستيرادية، خصوصاً في بيئة تتأثر فيها الطاقة وسلاسل الإمداد والتكلفة التشغيلية بتقلبات الأسواق العالمية. كما أن اتساع العجز التجاري قد يضيف مزيداً من التعقيد أمام جهود السيطرة على الأسعار والحفاظ على الاستقرار المالي الكلي.
اقتصاد يوازن بين الصدمات الخارجية والسياسة النقدية
تُظهر القراءة الأحدث أن الاقتصاد التركي دخل النصف الثاني من العام وهو يوازن بين قوتين متعاكستين: من جهة، تراجع بعض أسعار الطاقة والغذاء الذي يخفف التضخم على المدى القصير، ومن جهة أخرى، استمرار المخاطر الجيوسياسية وتباطؤ انحسار الأسعار في قطاعات مثل السكن والنقل.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى نجاح السياسة الاقتصادية مرهوناً بقدرتها على الحفاظ على تشدد كافٍ لكبح التضخم من دون خنق النشاط، مع امتصاص الصدمات الخارجية التي كثيراً ما تعيد خلط أولويات السوق. وحتى الآن، يبدو أن التراجع الأخير في الأسعار يمنح صناع القرار متنفساً محدوداً، لا أكثر، في طريق لا يزال طويلاً نحو استقرار الأسعار.