ممر حيوي يتجاوز النفط
يظهر مضيق هرمز من جديد بوصفه نقطة ضغط رئيسية في التجارة العالمية، لكن الأزمة الأخيرة أبرزت جانباً أقل حضوراً في النقاش العام: حركة الأسمدة واليوريا والبتروكيميائيات. فحتى مع أي تفاهم سياسي يفتح الطريق أمام الملاحة، لا تعود الأسواق إلى طبيعتها تلقائياً، لأن إعادة تشغيل ممر بحجم هرمز تتطلب ترتيبات تشغيلية وتأمينية معقدة، وتنسيقاً بين الموانئ وشركات الشحن والمستوردين في أكثر من قارة.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بتدفقات النفط والغاز، بل بسلسلة واسعة من السلع التي تمس الأمن الغذائي وأسعار المدخلات الزراعية. وهذا ما يفسر قلق مالكي السفن المحملة بالأسمدة، الذين ينتظرون مؤشرات واضحة حول السلامة البحرية، وأولوية العبور، والتكاليف الإضافية التي فرضتها الأزمة على الرحلات المؤجلة.
أكثر من 40 سفينة في حالة انتظار
البيانات المتداولة في السوق تشير إلى أن الاضطرابات أدت إلى احتجاز أكثر من 40 سفينة محملة بالأسمدة خلف المضيق، بإجمالي يقارب مليون طن من الشحنات. وخلال أسابيع قليلة، هبطت الصادرات الأسبوعية عبر هذا المسار إلى نحو 60 ألف طن فقط، بعد أن كانت تدور حول 600 ألف طن أسبوعياً قبل اندلاع الأزمة، وهو تراجع حاد يعكس حجم الشلل الذي أصاب تجارة السلع الجافة.
هذا الانخفاض لا يقتصر أثره على المنتجين في الخليج، بل يمتد إلى المستوردين في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ومع تأخر الشحنات، تصبح الشركات أمام خيارات محدودة: الانتظار، أو تعديل العقود، أو إعادة توجيه الإمدادات إلى أسواق أقرب، ما يزيد من تعقيد إدارة المخزون والتسعير.
الأمن الغذائي جزء من المعادلة
تكتسب الأسمدة أهمية خاصة لأنها تدخل مباشرة في إنتاج الغذاء، وليست مجرد سلعة صناعية عابرة. فالأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا، إضافة إلى ثنائي فوسفات الأمونيوم والبوتاسيوم، ترتبط بإنتاج الحبوب والمحاصيل الأساسية في عشرات الدول. لذلك فإن أي اضطراب في تدفقها ينعكس سريعاً على تكلفة الزراعة، ثم على أسعار الغذاء، ثم على التضخم في الاقتصادات المستوردة.
وتبرز الهند مثالاً واضحاً على هذا الترابط. فهناك سفن عدة متجهة إليها ظلت عالقة عند المضيق، بينها ناقلات تحمل مئات آلاف الأطنان من اليوريا ومواد أخرى تدخل في الإنتاج الزراعي. وفي وقت تستعد فيه نيودلهي لموسم المحاصيل الصيفية، لجأت إلى مناقصات عالمية إضافية لتأمين احتياجاتها، في إشارة إلى أن الطلب المحلي لا يحتمل فجوات طويلة في الإمداد.
الأولوية للنفط والغاز قبل السلع الزراعية
رغم أهمية الأسمدة، يتوقع خبراء الشحن أن تحظى ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال بالأولوية عند استئناف الحركة في المضيق. فهذه الشحنات تبقى الأكثر حساسية بالنسبة للأسواق الفورية، والأكثر ارتباطاً بتوازنات الطاقة العالمية. أما شحنات الأسمدة، فغالباً ما تأتي في المرحلة التالية من إعادة الجدولة، بعد تقييم الغرامات، وحالة البضائع، وقدرة الموانئ على الاستقبال والتفريغ.
كما أن المشكلة لا تقف عند المضيق نفسه، بل تشمل موانئ الوصول التي تعمل في بعض الحالات عند حدود طاقتها الاستيعابية. ومن ثم، فإن أي تدفق مفاجئ لعدد كبير من السفن قد يخلق اختناقات جديدة في الموانئ الهندية والآسيوية، ويطيل زمن الانتظار حتى بعد انتهاء التوتر البحري.
ارتفاع التأمين يغير حسابات التنافسية
من أبرز آثار الأزمة أيضاً القفزة الكبيرة في تكاليف التأمين البحري. فقد ارتفعت الأقساط في بعض المسارات بنسب كبيرة جداً، ما أضاف تكلفة مباشرة إلى الطن الواحد من الأسمدة، وأضعف القدرة التنافسية للمصدرين في الخليج مقارنة بموردين آخرين مثل روسيا والمغرب في بعض الأسواق البعيدة.
وبينما تستطيع بعض الشركات تحمّل جزء من هذه الزيادة، فإن معظمها أعاد حساباته بسرعة، وفضّل توجيه الشحنات إلى أسواق أقرب وأكثر استقراراً مثل الهند وجنوب شرق آسيا. أما الأسواق الأبعد، خصوصاً في أميركا اللاتينية، فقد أصبحت أقل جاذبية مؤقتاً بسبب ارتفاع كلفة الوصول لا كلفة الإنتاج وحدها.
ورغم ذلك، ما زال المنتج الخليجي يحتفظ بميزة إنتاجية مهمة، إذ تبقى كلفة التصنيع أقل من منافسيه في عدة حالات. لكن المنافسة تحولت من سؤال السعر إلى سؤال الوصول: من يستطيع إيصال البضاعة بأقل تأخير وأقل مخاطرة وأقل كلفة تأمين.
أسعار عالمية تتراجع رغم الفوضى
المفارقة أن أسعار اليوريا العالمية لم تتحرك صعوداً بالطريقة نفسها التي تحركت بها أسواق النفط. فقد تراجعت الأسعار بأكثر من 30 في المائة منذ منتصف أبريل، بفعل عوامل موسمية وتخفيف بعض القيود على التصدير في آسيا. هذا التراجع خفف جزئياً أثر الأزمة على المستهلكين، لكنه لم يلغِ الضغط الواقع على المنتجين والمصدرين.
والأرجح أن عودة كميات كبيرة دفعة واحدة إلى السوق قد تضيف ضغطاً هبوطياً جديداً على الأسعار. فحين تُفرج القيود عن نحو مليون طن محتجزة في آن واحد، قد يواجه السوق موجة عرض مؤقتة تدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع، وهو ما يفيد المزارعين والمستوردين، لكنه يضغط هوامش الربح لدى المنتجين الخليجيين.
إعادة التشغيل قد تستغرق أشهراً
الأهم في هذه المرحلة أن الاتفاق السياسي أو التهدئة البحرية لا يعنيان نهاية الاضطراب فوراً. فالسفن التي غيّرت مساراتها تحتاج إلى إعادة برمجة، والعقود البديلة تحتاج إلى مراجعة، والموانئ بحاجة إلى تخفيف الاختناقات المتراكمة. لذلك يتوقع مراقبون أن تستغرق عودة النظام الملاحي إلى توازنه الكامل ما بين ستة وتسعة أشهر.
وخلال هذه الفترة، قد تظل الموانئ الآسيوية تحت ضغط متجدد، مع احتمال زيادة أوقات الانتظار عدة أيام إضافية إذا تزامنت موجات الوصول مع محدودية الطاقة التشغيلية. كما أن بعض الشحنات المتأخرة قد تُعطى أولوية، ما يعني أن توزيع العبور لن يكون متساوياً، بل محكوماً بحجم الخسائر المتراكمة وحساسية البضائع ومواعيدها.
سلاسل الإمداد تدخل مرحلة إعادة تشكيل
تكشف أزمة مضيق هرمز أن سلاسل الإمداد العالمية باتت أكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية من أي وقت مضى. فالاتفاقات السياسية قد تفتح الممرات، لكنها لا تمحو فوراً آثار التوقف، ولا تعيد بناء الثقة التشغيلية بين الشحن والموانئ والمستوردين. وفي سوق الأسمدة على وجه الخصوص، يظهر أن العبور السلس لا يقل أهمية عن سعر المنتج نفسه.
وبينما تراقب أسواق الطاقة أي تحسن في الانسياب البحري، تراقب الأسواق الزراعية أيضاً ما إذا كانت الشحنات المؤجلة ستصل في الوقت المناسب لإنقاذ مواسم الزراعة أو ستصل متأخرة لتضغط الأسعار أكثر. لهذا السبب تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى إعادة ترتيب طويلة الأمد في جغرافيا التجارة، وليس مجرد انقطاع عابر في ممر مائي شديد الحساسية.