09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

المفوضية الأوروبية تدرس تصنيف خدمات أمازون ومايكروسوفت السحابية كـ«حراس بوابة»

تتحرك المفوضية الأوروبية نحو إخضاع خدمات الحوسبة السحابية لدى أمازون ومايكروسوفت لقواعد قانون الأسواق الرقمية، في خطوة قد تعيد رسم المنافسة في سوق بات محورياً للذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية في أوروبا.

تحرك أوروبي يوسع نطاق التنظيم الرقمي

اتخذت المفوضية الأوروبية خطوة جديدة في ملف المنافسة الرقمية عبر إعلانها أن خدمات الحوسبة السحابية التابعة لشركتي أمازون ومايكروسوفت قد تُعامل بوصفها «حراس بوابة» بموجب القواعد الأوروبية الخاصة بالمنصات الرقمية الكبرى. ويعني هذا التصنيف المحتمل أن قطاعاً كان يُنظر إليه حتى وقت قريب كجزء من البنية التحتية التقنية، أصبح الآن ضمن الدوائر الأكثر حساسية في الاقتصاد الرقمي الأوروبي.

ويأتي هذا التطور ضمن تطبيق قانون الأسواق الرقمية، وهو الإطار الذي صُمم للحد من نفوذ الشركات المهيمنة وضمان أسواق أكثر انفتاحاً وتوازناً. وحتى الآن، ركز القانون على محركات البحث وشبكات التواصل ومتاجر التطبيقات، لكن إدراج الخدمات السحابية قد يمثل توسعاً لافتاً نحو جزء أساسي من الاقتصاد الرقمي الحديث، ولا سيما مع صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعي واعتماد الشركات المتزايد على الحوسبة السحابية في التخزين والمعالجة والتشغيل.

لماذا تكتسب السحابة هذا الوزن التنظيمي؟

تقول المفوضية إن الخدمات السحابية لم تعد مجرد بنية خلفية تقنية، بل أصبحت ركناً أساسياً في نشاط الشركات الأوروبية وفي مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية عموماً. ووفق تقديراتها، تعتمد عليها نسبة كبيرة من الشركات داخل الاتحاد الأوروبي، كما تتجه الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية السحابية إلى مستويات مرتفعة تكرّس أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.

وترى الجهات المنظمة أن بعض مزودي الخدمات السحابية يتمتعون بقدرات تشغيلية ومالية كبيرة، وقاعدة عملاء واسعة، ومزايا يصعب على المنافسين مجاراتها. كما أشارت إلى وجود ما يُعرف بتكاليف التحول المرتفعة، وهي العقبة التي تواجه العملاء عندما يرغبون في نقل بياناتهم أو تطبيقاتهم من مزود إلى آخر، ما يمنح الشركات الكبرى نفوذاً إضافياً في السوق.

ومن زاوية تنظيمية، تعتبر بروكسل أن هذا النوع من التمركز قد يحد من المنافسة الفعلية ويزيد الاعتماد على عدد محدود من اللاعبين العالميين، خصوصاً في سوق بات مرتبطاً مباشرة بمستقبل الذكاء الاصطناعي الأوروبي وقدرة الشركات المحلية على الابتكار.

الالتزامات المحتملة على الشركات الكبرى

إذا تم اعتماد التصنيف النهائي، فقد تخضع أمازون ويب سيرفيسز ومايكروسوفت أزور لمجموعة من القيود والالتزامات المشابهة لتلك المفروضة على المنصات الرقمية الكبرى. ومن بين هذه الالتزامات المحتملة: الحد من تفضيل الخدمات الذاتية، تعزيز قابلية التشغيل البيني، وتسهيل نقل البيانات بين المزودين بصورة أكثر سلاسة وشفافية.

هذا النوع من القواعد لا يستهدف فقط تقليص الهيمنة، بل يسعى أيضاً إلى رفع مستوى المنافسة التشغيلية بحيث تتمكن الشركات الأصغر من الوصول إلى العملاء على أسس أكثر عدلاً. كما أن تحسين قابلية التشغيل البيني قد يخفف من اعتماد المؤسسات على مزود واحد لفترات طويلة، وهو أمر يعده بعض المنظمين ضرورياً لتقوية السيادة الرقمية الأوروبية.

ووفقاً للمسار الإجرائي المتبع، ستتاح للشركتين فرصة الرد على النتائج الأولية قبل أن تصدر المفوضية قرارها النهائي خلال الأشهر المقبلة. وهذه المرحلة ستحدد ما إذا كان التوجه الأوروبي سيبقى في مستوى التقييم التنظيمي أو ينتقل إلى فرض قيود رسمية واسعة النطاق.

اعتراضات من أمازون ومايكروسوفت

لم تمر الخطوة دون انتقادات من الشركتين. فقد اعتبرت أمازون أن التقييم الأوروبي لا يعكس اتساع الخيارات المتاحة أمام العملاء داخل السوق الأوروبية، محذرة من أن فرض طبقة تنظيمية إضافية قد يحد من الاستثمار والابتكار. وترى الشركة أن القطاع السحابي يخضع بالفعل لإطار تنظيمي قائم، وأن إضافة قواعد أخرى متداخلة قد تزيد التعقيد بدلاً من تحسين المنافسة.

أما مايكروسوفت فأشارت إلى أن السوق لا يمكن قراءته بمعزل عن المنافسة المتزايدة من مزودين آخرين، وفي مقدمتهم غوغل كلاود. وتخشى الشركة من أن تجاهل هذا التغير في موازين السوق قد يؤدي إلى تشوهات تنظيمية لا تعكس الواقع التنافسي الفعلي داخل القطاع.

وتُظهر هذه المواقف أن المعركة لا تتعلق فقط بمستوى الالتزامات المقبلة، بل أيضاً بتعريف السوق نفسه: هل هي سوق تهيمن عليها حفنة من الشركات العملاقة، أم ساحة تنافسية تتوسع فيها الخيارات بسرعة مع نمو الطلب على الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي؟

انعكاسات أوسع على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

يمتد أثر هذا الملف إلى ما هو أبعد من منافسة الشركات نفسها. فالحوسبة السحابية أصبحت البنية التحتية الفعلية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي، من تدريب النماذج إلى تشغيل التطبيقات وتخزين البيانات. ولذلك فإن أي تغيير في قواعد الوصول إلى السحابة، أو في شروط التشغيل بين المزودين، قد ينعكس على كلفة الابتكار وسرعته في أوروبا.

وبالنسبة لصناع السياسات، فإن تعزيز المنافسة في هذا القطاع يُنظر إليه كجزء من حماية القدرة التكنولوجية الأوروبية وعدم ترك السوق تحت رحمة عدد محدود من الشركات العالمية. أما بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات الرقمية، فإن أي تشدد تنظيمي قد يفرض إعادة تقييم لاستراتيجيات التوسع، واختيار مراكز البيانات، والتعاقدات طويلة الأجل مع مزودي الخدمات السحابية.

كما أن هذه الخطوة قد تشكل سابقة مهمة في كيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع البنية التحتية الرقمية مستقبلاً، خصوصاً في القطاعات التي تجمع بين النفوذ السوقي العالي والدور الاستراتيجي في الاقتصاد المعتمد على البيانات.

ما الذي قد يحدث لاحقاً؟

تنتظر الأسواق الرقمية الآن القرار النهائي للمفوضية، وهو قرار قد يحدد اتجاه التنظيم الأوروبي في المرحلة المقبلة. فإذا مضت بروكسل في التصنيف، فسيكون ذلك إشارة واضحة إلى أن السحابة لم تعد مساحة محايدة تنظيمياً، بل قطاعاً مركزياً يخضع للرقابة مثل المنصات الكبرى الأخرى.

وفي حال اختارت المفوضية التراجع أو تخفيف المسار، فإن ذلك قد يعني أن المنظمين الأوروبيين ما زالوا يوازنون بين حماية المنافسة من جهة، وعدم إبطاء الاستثمار في بنية رقمية يحتاجها الاقتصاد الأوروبي من جهة أخرى. وفي كل الأحوال، يبدو أن ساحة الحوسبة السحابية دخلت مرحلة جديدة من التدقيق التنظيمي، مع تزايد قناعة الأوروبيين بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي يبدأ من طبقة البنية التحتية لا من التطبيقات فقط.