إنتاج النفط الصيني يهبط إلى أدنى مستوى في نحو أربع سنوات
سجلت الصين في مايو تراجعاً واضحاً في إنتاج النفط الخام، بعدما انخفضت الكميات بنسبة 9.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ويعكس هذا الهبوط ضغوطاً متراكمة على قطاع التكرير، في وقت تواجه فيه المصافي ارتفاعاً في تكلفة الخام وتراجعاً في هوامش الربح، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وبحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء، بلغت كميات التكرير 53.72 مليون طن متري خلال الشهر، أي ما يعادل 12.65 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يعد الأدنى منذ أغسطس 2022 تقريباً. ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه بكين، بوصفها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، إعادة ضبط توازنها بين احتياجات السوق المحلية ومستويات التشغيل المربحة للمصافي.
كما أظهرت البيانات أن إجمالي التكرير خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بلغ 292.8 مليون طن متري، بانخفاض 2.2 في المائة على أساس سنوي، ما يشير إلى أن الضعف لم يكن عابراً بل امتد على مدى عدة أشهر.
المصافي تخفض التشغيل وسط ضغط التكاليف وضعف الطلب
الهبوط في الإنتاج ارتبط بشكل مباشر بتراجع معدلات تشغيل وحدات التقطير في المصافي الصينية. ووفقاً لبيانات شركة الاستشارات الصينية «أويل كيم»، بلغ معدل الاستخدام 61.06 في المائة فقط في مايو، متراجعاً 2.37 نقطة مئوية عن أبريل، و6.49 نقطة مئوية عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وتعكس هذه الأرقام حذراً واضحاً لدى المصافي، خصوصاً المملوكة للدولة، التي خفضت الإنتاج لتفادي خسائر أكبر في ظل استمرار ضعف الطلب على الوقود داخل السوق المحلية. كما أن ارتفاع أسعار الخام يضيف عبئاً على المصافي التي تعتمد على هوامش تكرير مستقرة لتحقيق الربحية.
وفي مثل هذه الظروف، تميل الشركات إلى تقليص معدلات التشغيل أو تأجيل شراء شحنات جديدة من النفط الخام، ما يخلق سلسلة من الانخفاضات تبدأ من خطوط التكرير وتمتد إلى حركة الاستيراد والتخزين.
الواردات تتراجع إلى أدنى مستوى في ثماني سنوات
لم يقتصر التراجع على الإنتاج المحلي، بل شمل أيضاً واردات الصين من النفط الخام، التي هبطت في مايو إلى أدنى مستوى لها منذ ثماني سنوات. ويعكس هذا الانخفاض تحركاً من المصافي نحو استخدام أكبر للمخزونات القياسية المتراكمة لديها، بدلاً من زيادة الشراء من الأسواق العالمية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المصافي قلصت وارداتها مع الإبقاء على قيود إنتاجية بهدف الحد من الخسائر، خصوصاً في ظل ضعف استهلاك الوقود وتباطؤ بعض القطاعات الصناعية المرتبطة بالطاقة. ومع استمرار هذه السياسة، قد تعتمد بكين بشكل أكبر على مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية لتغطية جزء من الطلب الداخلي.
ورغم تراجع الواردات، فإن الصورة الكلية لا تبدو مرتبطة بنقص في الإمدادات بقدر ما هي نتيجة قرار تشغيلي واقتصادي، إذ تفضل المصافي الحفاظ على التوازن المالي بدل زيادة المعالجة في بيئة ضعيفة الطلب.
الإنتاج المحلي يرتفع هامشياً والغاز يتراجع
على الجانب الآخر، أظهرت البيانات الرسمية أن إنتاج الصين المحلي من النفط الخام ارتفع في مايو بنسبة 0.5 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 18.57 مليون طن متري، أو 4.37 مليون برميل يومياً. كما بلغ الإنتاج المحلي خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 91.31 مليون طن متري، بزيادة 1.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويعني ذلك أن جزءاً من التراجع في إجمالي التكرير لم يكن نتيجة هبوط حاد في الإنتاج المحلي الخام، بل نتيجة انكماش نشاط المعالجة في المصافي وتعديل سلوك الشراء. وبذلك، يظهر أن سوق الطاقة الصينية تتحرك حالياً وفق معادلة أكثر حذراً تجمع بين الإنتاج المحلي والاستيراد والتخزين.
أما على صعيد الغاز الطبيعي، فقد انخفض الإنتاج بنسبة 2.2 في المائة في مايو ليصل إلى 21.7 مليار متر مكعب. ورغم هذا التراجع الشهري، ارتفع الإنتاج منذ بداية العام وحتى نهاية مايو بنسبة 1.7 في المائة إلى 111.7 مليار متر مكعب، ما يشير إلى أداء أكثر تماسكاً في هذا القطاع مقارنة بالنفط خلال الفترة نفسها.
دلالات اقتصادية على سوق الطاقة الصينية
توضح هذه البيانات أن سوق الطاقة في الصين تواجه حالياً مرحلة إعادة توازن دقيقة، حيث يتراجع نشاط التكرير في مقابل استمرار بعض عناصر الإنتاج المحلي عند مستويات مستقرة نسبياً. وفي سوق بهذا الحجم، فإن تغيرات التشغيل لدى المصافي تؤثر مباشرة في التجارة العالمية للخام وفي حركة الأسعار وتوقعات الطلب الإقليمي.
كما أن انخفاض الواردات إلى مستوى تاريخي متدنٍ يسلط الضوء على أهمية المخزونات الضخمة التي بنتها الصين خلال فترات سابقة، والتي باتت تستخدم اليوم كأداة مرونة لتخفيف أثر تقلبات الأسعار والتوترات الدولية. وهذا النمط قد يستمر إذا ظلت هوامش التكرير منخفضة والطلب على الوقود تحت الضغط.
وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن أي تباطؤ في استيراد الصين أو خفض في معدلات تشغيل مصافيها ينعكس عادة على حركة الناقلات والتوازن بين العرض والطلب، لا سيما أن الصين تعد من أكبر اللاعبين في تجارة النفط الخام عالمياً. ولذلك، فإن اتجاهات الأشهر المقبلة ستبقى محل متابعة دقيقة من المستثمرين وشركات الطاقة على حد سواء.
وفي المحصلة، يكشف أداء مايو عن صورة مركبة: إنتاج محلي يتماسك نسبياً، تكرير يتراجع بحدة، وواردات تهبط إلى مستويات متدنية، في إشارة إلى أن أكبر سوق نفطية في آسيا تعيد ترتيب أولوياتها التشغيلية والمالية في ظل بيئة أقل دعماً للطلب.