10-Jul-2026 4 دقائق قراءة

مصر توقع عقوداً بقيمة 792 مليون دولار مع «ألستوم» لتحديث خطوط السكك الحديدية وتعزيز حركة التجارة

وقعت مصر عقوداً جديدة مع شركة ألستوم الفرنسية ضمن خطة لتحديث قطاعات رئيسية من شبكة السكك الحديدية، في خطوة تستهدف رفع كفاءة النقل وتقليص زمن الرحلات وتحسين ربط الممرات اللوجستية بالموانئ والمناطق الصناعية.

دخلت مصر مرحلة جديدة من تحديث البنية التحتية للنقل بعد توقيع عقود استراتيجية مع شركة «ألستوم» الفرنسية بقيمة إجمالية تصل إلى 792 مليون دولار، في إطار خطة أوسع تستهدف رفع كفاءة السكك الحديدية وتعزيز حركة التجارة الداخلية وربط المراكز اللوجستية الحيوية ببعضها البعض.

وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه واضح نحو تطوير منظومة النقل باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، خاصة مع اتساع الحاجة إلى شبكات أكثر كفاءة لنقل البضائع وتقليل الزمن والتكلفة وتحسين الاعتمادية التشغيلية. كما تعكس العقود الجديدة أهمية السكك الحديدية كأداة لدعم سلاسل الإمداد وتخفيف الضغط عن الطرق البرية.

أربعة عقود لتحديث ممرات استراتيجية

أعلنت «ألستوم» أنها وقعت أربعة عقود مع الهيئة القومية لسكك حديد مصر ضمن تحالف يضم شركتي «رواد للهندسة الحديثة» و«كونكريت بلس». وتركز العقود على تطوير عدد من أهم الممرات داخل الشبكة، وفي مقدمتها ممر السادس من أكتوبر - الإسكندرية وخط بلبيس - العاشر من رمضان المعروف بـ B10.

وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه العقود نحو 690 مليون يورو، أي ما يعادل 792 مليون دولار تقريباً، فيما تستحوذ «ألستوم» على حصة تقارب 300 مليون يورو. وتعد هذه المشروعات من بين أكبر برامج التحديث التي تشهدها شبكة السكك الحديدية المصرية خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب الشركة، فإن الهدف لا يقتصر على تحديث الخطوط القائمة، بل يمتد إلى إدخال تقنيات رقمية متقدمة وتحسين عناصر التشغيل والسلامة والاتصال والطاقة، بما يرفع قدرة الشبكة على استيعاب الطلب المتزايد على نقل البضائع والركاب معاً.

ممر السادس من أكتوبر - الإسكندرية في قلب التطوير

يُعد مشروع ممر السادس من أكتوبر - الإسكندرية الأكبر ضمن الحزمة الجديدة، إذ تقدر قيمته بنحو 550 مليون يورو، وتبلغ حصة «ألستوم» منه نحو 240 مليون يورو. وسيُنفذ المشروع عبر ثلاث حزم رئيسية تشمل أعمالاً متكاملة للبنية التحتية وأنظمة التشغيل.

ويتضمن نطاق العمل تحديث الممر باستخدام أنظمة سكك حديدية رقمية، وتطوير شبكات الاتصالات، وتعزيز منظومة إمدادات الطاقة، إلى جانب تنفيذ أعمال مدنية وتأهيل كامل للمسار والبنية الأساسية. ويمثل هذا النوع من التحديث نقلة مهمة في كفاءة التشغيل، لأنه لا يركز فقط على المسار نفسه، بل على البيئة التقنية التي تعمل ضمنها القطارات.

ومن المتوقع أن تسهم هذه الأعمال في رفع مستويات السلامة، وزيادة السعة التشغيلية، وتحسين موثوقية الخدمة، إلى جانب تقليص زمن الرحلة على الخط بنحو 80 دقيقة. وفي السياق اللوجستي، يمنح هذا التطوير الممر قدرة أفضل على خدمة النقل بين الموانئ الجافة والميناء البحري في الإسكندرية، ما يدعم تدفق البضائع بصورة أكثر انتظاماً.

B10 يربط العاشر من رمضان بالممرات الصناعية

أما مشروع خط بلبيس - العاشر من رمضان (B10)، فتبلغ قيمته نحو 140 مليون يورو، مع حصة تقديرية لـ«ألستوم» تقارب 60 مليون يورو. ويستهدف المشروع تطبيق النطاق نفسه من التحديثات التقنية والهندسية التي تشمل أنظمة حديثة للإشارات والاتصالات والطاقة إلى جانب الأعمال المدنية اللازمة.

وتكتسب هذه الوصلة أهمية خاصة لأنها تربط واحدة من أكبر المناطق الصناعية في مصر بشبكة نقل أكثر كفاءة. ومع تزايد الاعتماد على النقل السريع والمنتظم للبضائع، يمكن لهذا الخط أن يلعب دوراً مباشراً في تحسين حركة الشحن وتسهيل وصول المنتجات إلى المراكز الاستهلاكية أو بوابات التصدير.

كما أن تعزيز هذا الربط السككي ينسجم مع توجهات أوسع نحو بناء ممرات لوجستية متكاملة تقلل الاعتماد على النقل البري التقليدي، وتدعم انتقال السلع بكلفة أقل وموثوقية أعلى، وهو عنصر مهم في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة سلاسل الإمداد.

أثر مباشر على اللوجستيات وسلاسل الإمداد

تشير الشركة إلى أن المشروعات الجديدة ستعزز الترابط بين المراكز اللوجستية الرئيسية في مصر وبواباتها البحرية، وهو ما ينعكس على قدرة الاقتصاد على إدارة تدفقات التجارة الداخلية والخارجية بشكل أكثر كفاءة. فكلما تحسنت كفاءة النقل بين الميناء الجاف والميناء البحري والمنطقة الصناعية، تراجعت الاختناقات وارتفعت القدرة على المناولة والتوزيع.

كما أن تحديث السكك الحديدية يفتح المجال أمام نقل مستدام للبضائع مقارنة بالاعتماد الكامل على الطرق البرية، إذ يتيح الشحن بكميات أكبر وفي أوقات أكثر انتظاماً، مع تقليل الضغط على البنية التحتية المرورية. وهذا النوع من الاستثمار غالباً ما يحقق أثراً يتجاوز قطاع النقل إلى قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية.

ومن الناحية الاقتصادية، تمثل هذه المشاريع دعماً مباشراً لمستهدفات رؤية مصر 2030، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير منظومة النقل وتحسين الربط بين المناطق الإنتاجية ومنافذ التصدير والاستيراد. كما أنها تعكس اتجاهاً نحو تعميق البنية التحتية التي يحتاجها الاقتصاد لرفع تنافسيته على المستويين المحلي والإقليمي.

استثمار في البنية التحتية بعائد تشغيلي طويل الأجل

لا تنظر الحكومة المصرية إلى هذا النوع من المشاريع باعتباره إنفاقاً بنيوياً فقط، بل كاستثمار طويل الأجل في كفاءة الاقتصاد. فالبنية التحتية الحديثة في السكك الحديدية تساهم في خفض التكاليف التشغيلية، وتحسين إدارة الوقت، وزيادة الاعتمادية، وهي عناصر أساسية لأي منظومة نقل ترتبط مباشرة بتنافسية الشركات وقدرتها على التوسع.

كما أن وجود شراكات مع شركات دولية متخصصة مثل «ألستوم» يمنح المشروع بعداً تقنياً مهمّاً، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية في إدارة الإشارات والاتصالات والتحكم. هذا التحول لا يعزز الكفاءة فحسب، بل يساعد أيضاً في بناء شبكة أكثر أماناً ومرونة وقابلية للتوسع مستقبلاً.

وفي ضوء هذه العقود، تبدو مصر ماضية في إعادة تشكيل دور السكك الحديدية داخل اقتصادها، من وسيلة نقل تقليدية إلى رافعة لوجستية تدعم الصناعة والتجارة وتربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق. وإذا اكتمل تنفيذ المشاريع وفق الجداول المستهدفة، فقد تشكل خطوة مهمة في رفع جودة النقل وخدمة النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.