10-Jul-2026 5 دقائق قراءة

ارتفاع أسعار النحاس يضغط على أرباح مصاهر المعادن مع انهيار رسوم المعالجة

رغم بقاء أسعار النحاس قرب مستويات قياسية، تواجه المصاهر العالمية أزمة ربحية حادة بعد هبوط رسوم المعالجة والتكرير إلى مستويات غير مسبوقة، ما يدفعها للاعتماد أكثر على المنتجات الثانوية مثل الذهب والفضة وحمض الكبريتيك.

تواصل أسعار النحاس التحرك قرب مستوياتها القياسية، لكن هذا الصعود لم ينعكس إيجاباً على شركات الصهر والتكرير. فبدلاً من الاستفادة من ارتفاع السعر الفوري للمعدن، تجد المصاهر نفسها أمام تراجع حاد في رسوم المعالجة والتكرير، وهي الرسوم التي كانت تاريخياً تمثل الركيزة الأساسية لإيراداتها.

هذا التحول يعكس اختلالاً واضحاً بين جانب التعدين وجانب التكرير في سوق النحاس العالمية. فبينما تنمو قدرات الصهر، خصوصاً في الصين، بوتيرة أسرع من نمو الإمدادات الخام من المناجم، أصبحت المنافسة على الخامات المركزة أشد من أي وقت مضى، وانعكس ذلك مباشرة على شروط التسعير وهوامش الربح.

نموذج الربح القديم يتآكل

كانت المصاهر تعتمد لعقود على الرسوم السنوية المرجعية التي تُدفع مقابل تحويل مركزات النحاس إلى معدن مكرر. لكن هذه الرسوم هبطت بصورة دراماتيكية خلال السنوات الأخيرة، حتى وصلت إلى الصفر في التعاقدات المرجعية السنوية الحالية، بعد أن كانت عند مستويات أعلى بكثير في العام السابق.

ولم يتوقف التراجع عند هذا الحد، إذ أصبحت رسوم المعالجة الفورية في السوق أحياناً سلبية، ما يعني عملياً أن بعض المصاهر تدفع للمناجم مقابل الحصول على المادة الخام ومعالجتها. وهذا التطور غير المسبوق يوضح حجم الضغط الواقع على قطاع التكرير، ويجعل نموذج الإيرادات التقليدي أقل قدرة على الاستمرار.

في هذا السياق، لم تعد الرسوم وحدها كافية لتفسير اقتصاديات المصهر. فالقيمة الحقيقية باتت تتحدد أيضاً من خلال ما يمكن استخراجه من المعادن الثمينة والمنتجات الجانبية خلال عملية التكرير، وليس النحاس وحده.

المنتجات الثانوية تتحول إلى مصدر النجاة

أصبح الذهب والفضة وحمض الكبريتيك عناصر محورية في حسابات الربحية لدى المصاهر. ومع ارتفاع أسعار الذهب والفضة عالمياً، تمكنت الشركات من تعويض جزء من خسارة الرسوم الأساسية. كما استفادت بعض المنشآت من الطلب القوي على حمض الكبريتيك، خصوصاً بعد اضطرابات الإمداد في منطقة الخليج المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز خلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

وتشير تقديرات متخصصة إلى أن مساهمة رسوم المعالجة في إيرادات المصاهر كانت تمثل شريحة مهمة قبل سنوات، لكنها لم تعد اليوم المصدر الأكبر للدخل. ففي المقابل، ارتفعت أهمية ما يُعرف بـالمعادن المجانية، أي الفارق بين المحتوى القابل للدفع في المادة الخام وبين ما تستعيده المصاهر فعلياً أثناء التشغيل، إلى جانب عوائد المنتجات الثانوية المرتبطة بالكبريت.

كما لجأت بعض المصاهر الصينية إلى معالجة كميات أكبر من البيريت، المعروف تجارياً باسم «ذهب المغفلين»، ليس بسبب النحاس نفسه بل لاحتوائه على نسبة أعلى من الكبريت القابل للاستخدام في إنتاج الحمض.

الصين تعيد تشكيل سوق مركزات النحاس

السبب الرئيس وراء هذا التحول هو التوسع السريع في قدرات الصهر داخل الصين مقارنة بوتيرة نمو إنتاج المناجم عالمياً. فبينما ارتفع إنتاج النحاس المكرر في الصين بنسبة 8% على أساس سنوي خلال 2025، لم يزد إنتاج المناجم العالمية سوى 1% فقط، بحسب بيانات دولية متخصصة.

هذا الفارق بين العرض الخام والطاقة التكريرية خلق ضغوطاً هيكلية على سوق مركزات النحاس، وجعل المفاوضات السنوية التقليدية أقل قدرة على عكس واقع السوق الفوري. كما أن أي حديث عن خفض الإنتاج في المصاهر الصينية لم يترجم حتى الآن إلى تراجع فعلي كافٍ في المعروض، إذ واصل الإنتاج النمو في الأشهر الأولى من 2026.

وفي محاولة لوقف انهيار الرسوم، وافقت مجموعة المشترين والمنتجين الصينيين الرئيسيين على خفض الإنتاج هذا العام. لكن الزيادة الفعلية في الإنتاج لاحقاً أظهرت أن السوق ما زالت تتحرك في اتجاه مغاير، وأن الضبط الذاتي لم ينجح بعد في إعادة التوازن.

هل تنتهي عقود التسعير المرجعية؟

الاختلال السريع في سوق مركزات النحاس يدفع المشاركين إلى إعادة النظر في نظام التسعير السنوي المرجعي الذي ظل لعقود أساس التعامل بين المناجم والمصاهر. فمع اتساع الفجوة بين الأسعار المرجعية والأسعار الفورية، تصبح هذه العقود أقل تمثيلاً للواقع، وأكثر عرضة للتراجع أمام نماذج تربط السعر بالمؤشرات الفورية.

بعض المنتجين، ومنهم شركات من أمريكا الجنوبية، بدأوا الدفع باتجاه التحول إلى التسعير المرتبط بالمؤشرات الفورية في مفاوضاتهم مع المصاهر الصينية. غير أن هذا التوجه يواجه مقاومة من التجمعات الصينية الكبيرة، التي تسعى إلى تعزيز قدرتها التفاوضية عبر توسيع عضويتها وتنظيم موقفها الجماعي.

ومع ذلك، فإن استمرار ضعف الرسوم التقليدية قد يجعل هذا التحول أكثر احتمالاً على المدى المتوسط، خاصة إذا بقيت الإمدادات الخام أضيق من الطاقة التكريرية المتاحة.

الفائزون والخاسرون في سباق البقاء

لا تتعامل جميع المصاهر مع الأزمة بالطريقة نفسها. فالمصانع الحديثة القادرة على تحقيق معدلات استخلاص مرتفعة للمعادن الثمينة، وتلك التي تملك قنوات مستقرة لتصريف حمض الكبريتيك، تبدو أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. أما المنشآت القديمة، أو ذات التكاليف الثابتة المرتفعة، أو التي تواجه صعوبات لوجستية في تسويق الحمض، فهي الأكثر تعرضاً للخسارة.

وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للمصاهر الموجودة خارج الصين، إذ تواجه منافسة صينية شرسة على الخامات وعلى هوامش الربح في آن واحد. وقد بدأت بعض الشركات الغربية بالفعل في تقليص العمليات أو وضع منشآتها تحت الصيانة المؤقتة، فيما اضطرت منشآت أخرى إلى الاعتماد على حزم دعم حكومية لمواصلة العمل.

هذا المشهد يعكس انتقال قطاع النحاس من معادلة تسعير مستقرة نسبياً إلى سوق أكثر قسوة وانتقائية. وفي ظل استمرار الصين في توسيع حصتها من الإنتاج المكرر عالمياً، يبدو أن معركة البقاء ستُحسم لصالح المصاهر الأكثر كفاءة والأقدر على تحقيق قيمة مضافة من كل طن من المركزات.

تأثيرات أوسع على سلاسل الإمداد العالمية

لا يقتصر أثر هذا التحول على أرباح الشركات فحسب، بل يمتد إلى هيكل سلاسل الإمداد العالمية للنحاس. فإذا استمرت المصاهر الأقل كفاءة في الانسحاب أو تقليص نشاطها، فقد يزداد تركّز القدرة التكريرية في عدد محدود من الأسواق، ما يمنح الصين نفوذاً أوسع في سوق حيوي للصناعة والطاقة والتحول الكهربائي.

وفي المقابل، تواجه الأسواق الغربية تحدياً استراتيجياً يتمثل في احتمال تراجع قدرتها على تأمين إمدادات معالجة مستقرة، خاصة إذا ظل نموذج التكرير التقليدي غير قادر على تحقيق ربحية كافية. وبذلك، لا يعود سؤال القطاع مقتصراً على أسعار النحاس المرتفعة، بل على من يملك القدرة على تحويل هذا الارتفاع إلى قيمة اقتصادية مستدامة.