أعلنت الحكومة السودانية الموازية عن خطة لإنشاء بنك تجاري جديد في دارفور، في خطوة تقول إنها ستسهم في تحسين حركة التحويلات المالية وتسهيل المعاملات المحلية والدولية للتجار والمواطنين في الإقليم.
وجاء الإعلان في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي السوداني تحديات كبيرة منذ اندلاع الحرب، إذ تضررت البنية المالية وتراجعت قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك التحويلات والمدفوعات المرتبطة بالتجارة والاستيراد والتوريد.
هدف الخطة: إعادة تشغيل الخدمات المالية
بحسب التصريحات المنقولة، تسعى السلطة الموازية إلى توسيع البنية المصرفية عبر فتح مؤسسات مالية وفروع جديدة، بهدف خلق بيئة أكثر استقراراً للعمليات التجارية. وترى أن وجود بنك تجاري جديد قد يخفف من العقبات التي واجهت الشركات والأفراد خلال السنوات الماضية، خصوصاً في المناطق التي تعطلت فيها شبكات الخدمات المالية التقليدية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في دارفور، حيث يعتمد النشاط التجاري على شبكات تحويل سريعة وموثوقة لتمويل السلع ونقل الأموال بين المدن والمناطق الحدودية. كما أن ضعف الوصول إلى البنوك منذ بداية الحرب دفع كثيراً من التجار إلى الاعتماد على ترتيبات بديلة أكثر كلفة وأعلى مخاطرة.
انعكاسات على التجارة والاستثمار
تقول الحكومة الموازية إن تحسين الوصول إلى الخدمات المصرفية يمكن أن يساعد في تحريك الأسواق المحلية وتشجيع المستثمرين على العودة إلى الإقليم أو توسيع نشاطهم فيه. ويرتبط ذلك، وفق هذا التصور، بإعادة بناء الثقة في قدرة المؤسسات المالية على إدارة المعاملات، وتوفير قنوات أكثر تنظيماً للتحويلات الخارجية.
كما أن وجود بنك يعمل ضمن بيئة مصرفية أكثر وضوحاً قد يسهل العمليات المرتبطة بسلاسل الإمداد، لا سيما مع حاجة التجار إلى تسوية المدفوعات واستقبال التحويلات بسرعة. وفي سياق اقتصاد متأثر بالنزاع، تمثل الخدمات المالية جزءاً أساسياً من أي محاولة لإحياء النشاط الاقتصادي وتخفيف الكلفة التشغيلية على الشركات الصغيرة والمتوسطة.
زيارة الجنينة والتواصل مع الفاعلين الاقتصاديين
تأتي هذه التصريحات على هامش زيارة إلى مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث شارك المسؤول في فعاليات تعليمية والتقى ممثلين عن قطاعات اقتصادية وتجارية. وتندرج هذه التحركات ضمن مساعٍ أوسع لإظهار عودة تدريجية للحياة العامة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بشكل شبه كامل.
وخلال اللقاءات مع التجار، جرى التركيز على الصعوبات اليومية المرتبطة بالنقل والتبادل المالي وتوفر السيولة. ويُنظر إلى أي تطوير في البنية المصرفية على أنه عنصر حاسم في دعم الاستقرار الاقتصادي، خاصة في المناطق التي تعتمد على التجارة البينية والأنشطة المرتبطة بالحدود والأسواق المحلية.
الاقتصاد في ظل الحرب
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، دخل الاقتصاد السوداني في مرحلة شديدة الاضطراب. وقد تضررت شبكات النقل والاتصالات والمصارف، بينما واجهت الشركات والأسر صعوبات متزايدة في الوصول إلى النقد والخدمات الأساسية.
وتشير تقديرات أممية إلى أن النزاع تسبب في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح نحو 12 مليون شخص، وصعوبة حصول نصف السكان تقريباً على الغذاء. هذا الواقع انعكس كذلك على الدورة الاقتصادية، إذ تقلصت الأنشطة الإنتاجية وتراجعت قدرة الأسواق على العمل بصورة مستقرة.
في مثل هذا السياق، لا تبدو مبادرات إنشاء مؤسسات مصرفية مجرد خطوة إدارية، بل محاولة لإعادة بناء جزء من البنية التحتية الاقتصادية التي تسمح بعودة المعاملات الرسمية وتقليل الاعتماد على الحلول غير المنظمة. ومع ذلك، يبقى نجاح أي بنك جديد مرتبطاً بقدرة الجهات القائمة عليه على توفير الأمن، والسيولة، والربط مع شبكات الدفع والتحويل، إضافة إلى ثقة المتعاملين.
ماذا تعني الخطوة لدارفور؟
اقتصاد دارفور يحتاج إلى أدوات مالية أكثر مرونة لدعم التجارة الداخلية والخارجية، خصوصاً في ظل الانقطاع الطويل في الخدمات. وإذا ما تمكنت المؤسسة المرتقبة من تقديم خدمات تحويل فعالة، فقد تصبح منصة مهمة للتجار المحليين، وللمعاملات المرتبطة بشراء السلع ونقل الأموال وتمويل الأنشطة اليومية.
لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ إن أي توسع مصرفي في منطقة نزاع يتطلب بيئة تشغيل آمنة، ونظام رقابة واضحاً، وقنوات تقنية قادرة على العمل في ظل انقطاعات متكررة. لذلك، يبقى الإعلان عن البنك خطوة تحمل بعداً اقتصادياً وسياسياً في آن واحد، أكثر من كونه حلاً فورياً للأزمة المالية الأوسع.
وفي المحصلة، يعكس التحرك محاولة جديدة لإعادة وصل دارفور بمنظومة مالية أوسع، في وقت يبحث فيه الإقليم عن آليات تساعد على إنعاش التجارة وتخفيف آثار الحرب على حياة السكان والأنشطة الاقتصادية.